تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وسبب الدين قد تكون عوارض تصادف الإنسان في حياته ؛ كمرض أو فقد منصب أو نحو ذلك . وهذا أشرف الأسباب لأن هذه العوارض خارجة عن طوقه ، وإن كان صاحبه محلا للوم ، إذ كان في استاعته أن يدخر شيئا وقت سعته ولم يفعل . وكثيرا ما يكون السبب داخلا في مقدورنا ، وفي استطاعتنا أن نتجنبه ؛ فكثير ممن يستدينون إنما حملهم على دينهم عدم العناية ، لا يعرفون دخلهم ولا حرجهم ، ولا يقارنون ما يكسبون وما ينفقون ، ولا يعرفون إن كان ما يشترون مما تتحمله ماليتهم أو لا ، حتى إذا جاء وقت الحساب تبين أنهم وقعوا في الدين وصعب عليهم الخلاص منه . ومن هذا النحو الرفاهية والترف ، فهي سبب لاستدانة كثيرين ، يودون أن ينعموا بما لا يستطيعون ويطمعون أن يروا كل شيء في حياتهم لذيذا سارا ، ويتطلبون السرور من أي طريق ، ولا يضبطون شهواتهم فإذا هم مدينون . يجب أن نتعود ألا نسرف في النعيم ، ونحبب إلى أنفسنا بساطة العيش :
والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع
كذلك يدعو إلى الدين الخيلاء وحب الظهور بمظهر أكبر من الحقيقة ، وهو ضرب من الكذب العملي يجب أن نبتعد عنه . ومن أهم أسباب الدين : القمار ، وليس أدل على ضرره مما نشاهده من خراب بيوت كانت عامرة ، وقوع أسر غنية في الفقر بسببه : أضف إلى ذلك أنه يفسد على اللاعبين حياتهم العملية فلا يصلحون لأداء أعمالهم أداء حسنا ، فمن أمل أن يغتني في لعبة يصعب عليه أن يصبر على عمله الهادىء حتى يربح أجره القليل . يجب أن نفهم أن ربح المقامر لا ينشأ إلا عن خسارة آخرين ، ومن أجل هذا لم ترض عنه الشرائع وليست كذلك المعاملات المالية الحلال ؛ فأجر العامل إنما يأخذه لأنه أفاد المؤجر في نظير أجرته ، والبائع يتبادل مع المشتري الأخذ والعطاء ، ولكن في المقامرة لا يربح أحد إلا بخسارة آخر ، وبقدر الربح تكون الخسارة ، واللاعبون يتبارون في إغراق بعضهم بعضا ، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر الأخلاقي .