والبخل والارتشاء والإسراف كلها تتصل بحالة الإنسان المالية . بل هناك فضائل ورذائل تنتج عن المال من طريق غير مباشر ؛ فكثيرا ما يضطر المدين إلى الكذب ، وتحمله ديونه على تلفيق الأعذار لدائنه ليماطله ، وكثيرا ما يكون الفقر سببا للإجرام وعدوا للحرية وكذلك العكس ، وادخار شيء من المال يبعث في النفس قوة يجعلها أبعد من المذلة والهوان ، وأكثر مطالبة بالحقوق وأصلب أخلاقا ؛ فمن الحق عد تدبير المال وحسن التصرف فيه أساسا من أسس الأخلاق الفاضلة . . . وقد ألفت الكتب العديدة في تدبير المال وتنمية الثروة ونحو ذلك من الشؤون المالية ، ولكن لا نتعرض هنا إلا لما يمس الأخلاق .
كل إنسان عرضة لأخطار ومتاعب تصادفه في الحياة : من مرض أو شبوب نار أو اعتزال منصب ؛ فلا بد من توفير جزء من المال ندخره لوقت الحاجة ، ونحفظ به أنفسنا من الدين ومن المذلة .
كذلك قد يكون للإنسان أغراض في الحياة أعلى من حياته الحاضرة ، ولا يستطيع الوصول إليها إلا بمال يوفره ، وهذه قواعد أولية لا بد من مراعاتها في استعمال المال :
1 - يجب أن نقدم - عند اقتناء الأشياء - الضروري منها على الكمالي ؛ فليس من الصواب أن نعمل وليمة ونحن وأهلنا محتاجون إلى مأكل وملبس ، كما لا نزين الحجرة قبل فرش أثاثها .
2 - لا يصح أن ننفق شيئا فيما يضرنا ولا ينفعنا ، فالتدخين والمسكرات تضر صحتنا ضررا نشعر به في مستقبل حياتنا ، ويكون لذلك من الألم المستقبل أكثر مما يجده من اللذة الحاضرة .
3 - لا يصح اقتناء شيء قد ينفعنا ، ولكن يضر غيرنا ضررا كبيرا ، فإذا قل صنف في بلد كالبترول أو القمح فلا يصح لنا أن نشتري منه أكثر من حاجتنا الضرورية - ولو كانت ماليتنا تسمح بذلك - لأن ترفنا بالزائد عن حاجتنا يمنع قوما من نيل الضروري لهم ، وإذا اعتصب عمال الترام مثلا واعتقدنا أنهم مصيبون في اعتصابهم لا يحق لنا أن نركب الترام إذا سيرت الشركة بعض القطارات ؛ لأن ذلك يضر بمصلحة العمال المنصفين في اعتصابهم ؛ وهكذا .
كتاب الأخلاق — صفحة 172
مساهمون: أحمد أمين
ص١٧٢