تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠

العدل والرحمة :

كثيرا ما يقول الناس : « الرحمة فوق العدل » ، يعنون بذلك أن العمل حسب ما تقتضيه الرحمة أفضل من العمل حسب ما يقتضيه العدل ؛ وهذا ليس بصحيح على الإطلاق ، بل قد يكون صوابا وقد يكون خطأ ، ونحن نذكر أمثلة مما تستعمل فيه هذه الجملة : 1 - مدرس في مدرسة ليس كفؤا في عمله ، لا يحسن التدريس ولا يفيد تلاميذه ، أريد الاستغناء عنه من أجل ذلك ، ولكنه كبير في السن ورب أسرة وفقير ، فيقال : « الرحمة فوق العدل » ، أي أن العدل يقضي بالاستغناء عنه والرحمة تقضي ببقائه في عمله ، ولكن يجب هنا أن نطبق العدل لا الرحمة ، فالعدل هنا فوق الرحمة ؛ ذلك لأن الضرر الذي ينال التلاميذ من المدرس مع كثرة عددهم كل سنة يفوق الضرر الذي ينال المدرس وأسرته ، ولأن المدرسة ليست ملجأ للإحسان يرتزق منها مع عدم كفايته ، بل هو يأخذ أجره في مقابل عمله ، فما لم يحسن عمله لم يستحق أجره ، وكونه رب أسرة وفقيرا يجعله يستحق الإحسان لا من المدرسة ، ولكن من معاهد الإحسان . 2 - عامل ترام « كمساري » تريد أن تشفق عليه فتعطيه ثمن التذكرة ولا تأخذها منه « لأن « الرحمة فوق العدل » ، وهذا أيضا خطأ ؛ لأن ثمن التذكرة ليس ملكك ولكن ملك الشركة ، ولا يصح أن تحسن من مال غيرك إلا برضاه ، فإذا أردت الإحسان فأعطه من مالك الخاص بعد أن تدفع ثمن التذكرة . 3 - لص قبض عليه وهو ينشل « محفظة » ، فأخذ يستعطف الناس ويبكي ليفرج عنه ، فيقولون : « الرحمة فوق العدل » ، وليس ذلك بصحيح ؛ لأن معاقبة السارق من حق الأمة ، فلا يملك العفو عنه بعض الأفراد . 4 - مسجون سجن ظلما وعدوانا يراد العفو عنه ، فيقال : « الرحمة فوق العدل » وهو خطأ أيضا ؛ لأن العدل يقتضي كذلك ألا يسجن ، فالرحمة والعدل يتفقان في المطلب ، وليست الرحمة فوق العدل . نعم ، في بعض المواضع يكون استعمال الجملة صحيحا كما إذا كان لك دين على آخر فرحمته وتركت دينك ، أو أجلته حتى يوسر ، فالعدل أن تأخذه والرحمة أن تتركه وتؤجله ، والرحمة فوق العدل .