تجارتهم إلى تلغراف وبريد وسكك حديد وهكذا ، وطائفة من الناشئين يحتاجون إلى مدارس يتعلم فيها كل من أراد أن يتعلم ، وفيها من النظم والعلوم ما يسد حاجة كل طالب ، وطائفة من المتخاصمين تحتاج إلى قضاة وقوانين تردع الجناة وتحفظ حقوق الناس وهكذا ؛ فإذا قامت الأمة بكل هذا حق لها أن تسمى مجتمعا عادلا ، وإلا فظالم .
والمطالب بتحقيق العدل في المجتمع كل فرد من أفراده ؛ فكل إنسان مطالب أن يعمل لتحقيق العدل في مجتمعه على قدر استطاعته ، فإذا احتاجت مدينة إلى مستشفيات مثلا فعلى الخطيب أن يخطب حاثا على إنشائها ، وعلى كتاب الجرائد أن يكتبوا ، وعلى الشعراء أن يشعروا ، وعلى الأغنياء أن يتبرعوا ، وعلى كل ذي قدرة وجاه أن يستعمل قدرته وجاهه في مساعدة المشروع ، ثم على من في يدهم تنفيذه أن ينفذوا .
فإذا لم يعمل كل فرد ما عليه ، فالأمة كلها آثمة ظالمة ، حتى الأفراد الذين أدوا ما عليهم ؛ لأن المجتمع كما قدمنا جسم عضوي وذلك هو شأنه ، فلو أن القلب أدى ما عليه ولكن المعدة لم تؤده عوقب كل عضو في الجسم حتى القلب .
وإذا كانت حكومة كل مجتمع هي القائمة بالأمر فيه ، فهي لا تعد عادلة إلا إذا قامت بواجبها خير قيام ، وليس واجبها أن تحصل الخير لنفسها ، ولكن أن تحصل للمجتمع الذي تحكمه أقصى ما تستطيع أن تحصله ، وقد عبر أفلاطون عن هذا بقوله : « إن خير حكومة هي التي تضع كل فرد من الأمة في خير مكان يليق به ، ويستطيع أن يظهر فيه مواهبه ، ثم تمده بما يحتاج لأداء ما عهد إليه » ، وعلى هذا لا تكون الحكومة عادلة إلا إذا قامت بهذه الوظيفة .
وهو تكليف للحكومة شاق ، من المشكوك فيه أن يتحقق يوما ما مهما صغر المجتمع ورقيت حكومته .
وأقل من هذا تكليفا ما قاله بعضهم من أن الحكومة تعد عادلة ما دامت لا تضع العراقيل في سبيل الأفراد ، وتتركهم أحرارا يعملون ما يشاؤون لترقية قواهم وملكاتهم وأعمالهم حسب استعدادهم إلا عند الضرورة القصوى .
كتاب الأخلاق — صفحة 166
مساهمون: أحمد أمين
ص١٦٦