العفة ضبط النفس
ضبط النفس - أو العفة بأوسع معانيها - هو اعتدال الميل إلى اللذائذ وخضوعه لحكم العقل ، وليس ذلك مقصورا على اللذائذ الجسمية ، بل يشمل أيضا اللذات النفسية كالانفعالات والعواطف ؛ فلا يسمى الشخص « ضابطا لنفسه » إلا إذا اعتدل في لذاته الجسمية من مأكل ونحوه ، واعتدل أيضا في انفعالاته فلم يغضب لأي داع ، ولم يندفع في السير وراء عواطفه كأن يحن حنينا شديدا إلى وطنه إذا نزح عنه ، أو يفرط في حزن لفقد عزيز عليه ، وكثير من الرذائل يرجع سببه إلى عدم القدرة على ضبط النفس ؛ كالشراهة والدعارة والطمع والإسراف والغضب والسخط والثرثرة والإدمان .
تتضمن هذه الفضيلة أن يكون الإنسان سيد نفسه ، لا عبدا لشهوات تسيره كما تشاء .
والناس إزاء الملذات أصناف : فمنهم من ذهب إلى الزهد وقمع الشهوات ، وقالوا : « إن شهوات النفس غير متناهية فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها ، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي وعبد هوى لا ينتهي ، ومن كان بهذه الحال لا يرج له صلاح ، ولم يوجد فيه فضل » « 1 » ، هؤلاء يرون أن أرقى أنواع الحياة الأخلاقية محاربة الشهوات فلا يتزوجون - مثلا - ولا يأكلون اللحوم ، ويعتزلون الناس جهدهم ولا يمكنون النفس من مأكل أنيق أو مقعد وثير أو ملبس جميل ، وقد شنع « سنيكا » على من يشرب الماء مثلجا في أيام الحر ، وقال : « قد انتزع الترف من القلوب ما كان بها من موارد الشفقة وأسباب العطف حتى صارت أشد بردا وقسوة من الثلج والجليد » . وبالغ بعض الزهاد ، فلم يكتف بقمع الشهوات بل تعداها إلى تعذيب النفس بالقيام في الشمس في أشد ساعات الحر والتمرغ على الرخام في الشتاء وهكذا ، وهذا مذهب أكثر المعتنقين له من الناقمين على الحياة ، المتشائمين من كل شيء في الوجود ، المصابين بفقر الدم ، الذين ضعفت شهواتهم لضعف جسمهم . وقد يرى هذا الرأي أيضا من
هامش
( 1 ) أدب الدنيا والدين .