تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
فواجب أن نقف بإزاء الحق نصرح به وندافع عنه ونتعشقه ونتحمل الآلام في سبيله ، ونتخذ من ذكرنا مثلا صالحا في حياتنا . ومن هذا النوع من الشجعان من يهجر لذته وراحته ويتحمل الألم لخير الناس وإسعادهم ، كمن يرى مرضا اجتماعيا في أمته فيخصص حياته لدراسته ومعرفة أسبابه ، ثم يتحمل المتاعب في سبيل إصلاحه ؛ وكمن يرى الأطفال الذين لم يتجاوزوا العاشرة يعملون في المعامل ساعات طويلة في أماكن غير صحية بأجر قليل ، لا يرحمهم ولا يشفق عليهم أصحاب المعامل ورؤوس الأموال ، فيشبون ضعفاء جهلاء يقسون على من دونهم كما قسي عليهم ، أو يرى أولاد الشوارع ينشؤون ولا علم ولا عمل فيكونون بعد مجرمين يعبثون بالأمن ويعيثون في الأرض فسادا ، أو يرى فقراء يألمون في الحياة آلاما جسيمة ، يقضون أطول زمن في العمل وينالون أقل أجر ، تشتد مزاحمتهم على العمل ويخضعون لنظم شاقة ، يسكنون مساكن غير صحية وهم مع ذلك يستأجرونها بأجرة باهظة إذا قيست بمساكن الأوساط والأغنياء ، أثمان طعامهم ووقودهم وحاجاتهم أغلى مما يدفعه الأغنياء ؛ لأنهم مضطرون إلى شراء كميات قليلة في أوقات يقل فيها الصنف ، تكثر بينهم الأمراض والوفيات ، ويشتد بهم الضيق بمجرد قعودهم عن العمل لأنهم لم يستطيعوا أن يوفروا شيئا من أجورهم وقت عملهم ، بيوتهم وحاراتهم تشمئز منها النفس قذارة ، اضطرهم الفقر إلى الازدحام في الحجرة الواحدة مع ما يفشو فيهم من الأمراض ، تنشأ بينهم أبناؤهم وبناتهم فيجدون حولهم جوا خانقا : سكر وعربدة وتسول ومسكنة وكذب جر إليها الفقر وسوء الحال ، فيخضعون لذلك مضطرين ، ويسيرون سير آبائهم ، وهم في ذلك مجبرون لا مخيرون . فمن رأى شيئا من ذلك أو نحوه من الأمراض فخصص حياته لمعالجته ، وضحى بكثير من مصلحته لمصلحة أمته ، وصبر على ما يناله من الشدائد ، وتغلب على ما يصادفه من العقبات كان أشجع من جندي في خط النار .

علاج الجبن :

الشجاعة والجبن ونحوهما من الفضائل والرذائل تعتمد على الوراثة والتربية معا ، فنحن نرث من آبائنا بذور شجاعتهم أو جبنهم ، ولكن يجب ألا ننسى للتربية