تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
أثرا كبيرا ، فهي إذا كانت صالحة زادت الشجاع شجاعة وقللت من جبن الجبان ، وإذا عولج الجبان علاجا ناجعا فقد يبرأ من مرضه . وليس للجبن علاج واحد ، بل ينبغي أن ينظر إلى سببه ، ثم يتخذ له العلاج اللائق به ، شأن جميع الأدواء ، فقد يكون سببه الجهل بالشيء فالعلاج إذا العلم به . كالذي يرى شبحا في الظلام ، فينزعج منه وترتعد فرائصه ، فإذا علم أنه حجر أو متاع أنس به وزال خوفه ، ومن هذا النوع أكثر ما يخيف في الظلام من عفاريت ونحوها . ويتصل بهذا عدم الإلف ، فكثيرا ما يكون سبب الجبن ، فالإنسان إذا لم ير الشيء ويألفه يجبن أمامه كالطالب لم يتعود الخطابة ، فإن هو حاولها تهدج صوته وجف ريقه وارتعشت أطرافه ، ومن لم يتعود غشيان المجالس ومخالطة الناس يخاف منهم ويلجئه الجبن إلى حب العزلة ، فإن هو اضطر يوما إلى الاجتماع بهم علاه الخجل واضطربت حركاته وزاد ارتباكه ، وثقل على الناس وثقلوا عليه ، وعلاج هذا الإلف والتعود ، فلا يزال الرجل يتكلف الخطابة حتى يصير خطيبا ، والجرأة حتى يصير جريئا . ومما يفيد في هذا الباب أن يفرض وقوع النتائج التي تكون إن وقع المكروه ثم يهونها على نفسه ، فلو تصور أنه خطب فلم يجد وانتقده السامعون ثم صغر هذه النتيجة وهونها تشجع ولم يجبن ، ولو قرر الأطباء أن تعمل له عملية جراحية ، فقدر الموت واستصغره قابل العملية بثبات ، وهكذا . ومن العلاج أن ينظر إلى نتائج كل من الجبن والشجاعة ، فإذا ظهر له أن ما يصل إليه من الخير إذا هو تشجع أكبر مما يصل إليه من الجبن استحثه ذلك على الشجاعة ، فمن جبن عن أن يرحل عن بلده لطلب رزق أو علم ، فلينظر ير أن من المحتمل أن يصيبه مرض في رحلته أو يموت في غربته ، ولكن من المؤكد أنه إن لم يرحل ضاق رزقه أو قل علمه وكان جبانا حتما ، فإن ذلك النظر قد يحمله على أن يكون شجاعا ، لا سيما إن علم أن ليست الحياة أن ينبض قلبه ويأكل في اليوم ثلاثا إنما الحياة أن يعمل وينفع ويستفيد ويفيد . تذكر وقت جبنك سير الأبطال وأكثر من مطالعة تاريخ حياتهم تستشعر الشجاعة وتمتلئ حماسة ، وتحس بقوة تدفعك إلى العمل على مثالهم والسير في طريقهم .
كتاب الأخلاق — صفحة 157 | أحمد أمين