وكان في استطاعته أن ينجو بنفسه إذا هو تعهد أن ينقطع عن التعليم ، ولكنه أصر على قول الحق وأضاع نفسه .
وفي تاريخ العرب كثير من أمثال ذلك : فابن رشد الفيلسوف المتوفى سنة 595 ه ، اضطهد من أجل اشتغاله بالفلسفة ، وسجن ونفي فلم يعبأ بذلك كله .
وابن تيمية أحد الفقهاء المشهورين المتوفى سنة 728 ه ، أداة اجتهاده إلى مخالفة فقهاء عصره في بعض المسائل ، فوشوا به إلى السلطان فسجنه ، وظل يكتب الرسائل في سجنه يؤيد بها مذهبه ويدحض بها حجج معارضيه .
وفي العصور الحديثة ، لولا أن قوما من العلماء ضحوا كثيرا في قول الحق ما تقدم العلم والمدنية إلى الحد الذي نراه ، فجاليلو الفلكي الإيطالي ( 1554 - 1642 م ) اخترع التلسكوب ، فرأى به أن المجرة ليست إلا نجوما عديدة ، وأن في القمر جبالا ووديانا كالتي في الأرض ، ورأى به كلف الشمس ، وكان يعلم أن الأرض تدور حول الشمس مخالفا لتعاليم بطليموس القائلة بأن الأرض هي مركز الكون ، فاضطهده من أجل ذلك بعض القسيسين وأمروه بالكف عن تعاليمه ، فلم يستطع الصبر عن الحق ، فأخذ وسجن وعذب كثيرا من أجل تعاليم يعرفها كل تلاميذ المدارس اليوم .
ودارون الفيلسوف الإنجليزي ( 1809 - 1882 م ) لم يعذب كما عذب من قبله بسجن أو نفي أو قتل ، ولكنه عذب بالانتقاد المر من رجال عصره فتحمله ، وأبان الطريقة التي اتبعها النبات والحيوان في نشوئه وارتقائه ، ولم يقعد به ضعف صحته عن البحث وراء الحقيقة ، فكان رغما عن مرضه وألمه يجري التجارب ويجتهد أن يتعلم دائما أشياء جديدة عن الدنيا التي يعيش فيها .
وكامبانلا الفيلسوف الإيطالي ( 1568 - 1639 م ) قد أغضب بعض القسيسين والأمراء بتعاليمه الجديدة ، فقد كان يقول : إننا نستطيع أن نتعلم من امتحان الأشياء التي حولنا كالأشجار والأزهار والجبال والأنهار أكثر مما نتعلمه من كتب الفلاسفة القدماء أمثال أرسطو ، وكان يقول : إن هناك نظاما للحكومة خيرا من النظام الحاضر الذي يستبد فيه الأمراء والحكام بالشعب ، وقد سجن من أجل أقواله هذه وعذب عذابا شديدا ، واستمر في الحبس خمسا وعشرين سنة ، ثم أفرج عنه .
كتاب الأخلاق — صفحة 155
مساهمون: أحمد أمين
ص١٥٥