تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
اتبعها لأنه عمل لإسعادهم ، فمن هجر لذته هو في عمل صالح يرضي الله ، وبعبارة أخرى يسعد الناس كان عمله مقبولا ، وكان من الصنف الثاني ، ولكن من ظن أن الله يرضى عن الزهد لأنه زهد فقد أخطأ ؛ لأنه تعالى لم يجعل تعذيب للنفوس سبيلا لرضاه ، وما ذا ينال الله والناس ممن انقطع للعبادة وزهد في الحياة ؟ مدح رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يقوم الليل ويصوم النهار ، ولا ينقطع عن العبادة ، فقال رسول الله : « فمن يقوم بشأنه » ؟ قالوا : كلنا ، قال : « كلكم خير منه » . وحقا ليس يصح لأحد أن يستحل أن يأكل من عمل الناس ولا يعمل هو في الحياة للناس شيئا . إنما يرضى الله عمن هجر لذته ليسعد قومه ، وليس من العقل تحمل الألم لأنه ألم ؛ كما قال جون ستورت ميل : « إن من النبل والشرف أن يكون الإنسان قادرا على التخلي عن نصيبه من السعادة ، ولكن هذه التضحية لا بد أن تكون لغاية ، لأنها ليست غاية بنفسها ، ولا يمكن أن يتحمل البطل أو الزاهد هذه التضحية إلا إذا اعتقد أنها توفر على من عداه تضحية مثلها . إن كل الشرف الذي يناله من يحرمون أنفسهم لذات الحياة ، إنما يكون إذا كان هذا الحرمان سببا لتمتع الآخرين . أما من يحرم نفسه لأي سبب آخر ، فلا يستحق شيئا من الاحترام . نعم يمكن أن يكون عمله دليلا على مبلغ قدرته وقوة إرادته ، ولكنه لا يكون مثالا لما ينبغي أن يعمل » « 1 » . * * * ومن الناس من يرى - على العكس من هؤلاء الزهاد - أن يطلق لنفسه العنان ويمكنها من كل ملذات الحياة ، يرون أن الإنسان في هذه الحياة إنما خلق ليتنعم ، ولم يمنح العقل إلا ليبحث له عن وسائل النعيم ، فهو لذلك يعب اللذائذ عبا وينهمك فيها ما استطاع ؛ وهذا ضار بالفرد وبالمجموع معا ، ولتعارضت شهوات الأفراد وكانت الفوضى المطلقة ، وأن جمعية أفرادها ليسوا أعفاء - أعني أنهم لا تحكمهم إلا شهواتهم الحسية ، لتحمل معها بذور الانحلال والانحطاط . وفضيلة العفة تتطلب من الإنسان القصد في اللذائذ ، فإن هو أفرط فانهمك في شهواته أو فرط فأماتها وبالغ في الزهد ، فقد حاد عن سواء السبيل . خير طريق في الحياة أن ينيل الإنسان نفسه ملذاتها الطيبة ويعطيها مشتهياتها ما لم تخرج عن
هامش
( 1 ) جون ستورت ميل في رسالته « مذهب المنفعة » باختصار .