قويت صحته وكمل جسمه واشتدت شهواته ، ولكن كانت إرادته أشد وسلطانه على نفسه أقوى ، وأقوى ما يكون ذلك إذا أتى من ناحية الدين .
والزهد في الحقيقة ليس يرفض اللذة لأنها لذة ، بل هو يرفضها للذة أخرى أكبر منها في نظره .
والزاهدون أنواع : فمنهم من يرفض أن ينعم في الحياة بالمأكل الشهي ونحوه ، لأنه يرى أن الاستمرار في طلب اللذائذ يسبب آلاما ؛ إذ تصبح النفس شرهة ، أطماعها كثيرة وآمالها واسعة ، وكلما نالت منها الكثير طمعت فيما هو أكثر منه ، ثم هي تتألم الآلام الشديدة لما حرمت ، وتتجرع مع ما تنال غصصا من الآلام ، أضف إلى ذلك أن كثرة التمتع باللذة يفقدها قيمتها ، فمن يأكل كل يوم أكلا شهيا يصبح بعد مدة وهذا النوع من الأكل عنده عادي ، حتى تكون مقدار لذته منه تعادل لذة من قنع بالقليل ، يرى هؤلاء أن شعور الإنسان بأنه قادر على حرمان نفسه يرفعه فوق حوادث الزمان ، ويجعله أن لا قدرة للحوادث ولا للدهر على إخضاعه ، وهذا الشعور يحرر الإنسان من ربقة الخوف ، وهو شعور فيه من اللذة ما ليس في الملذات الجسمية ، فهم في الحقيقة يفرون من لذة للذة أخرى أكبر منها ، هي لذة الراحة والطمأنينة وعلو النفس .
هؤلاء نظرهم شخصي أكثر منه اجتماعيا ، فهم يبغون لذة أنفسهم ؛ غاية الأمر أنهم وجدوها في الراحة وعدم الانغماس في الشهوات .
ومن الزاهدين نوع آخر أرقى من هؤلاء ، زهدوا في اللذائذ لأن ذلك وسيلة إلى إسعاد الناس وراحتهم ، كما فعل عمر بن الخطاب لم يشأ أن يمتع نفسه بالملذات لأنه رأى أنه إن فعل ذلك توسع الولاة ومن بيدهم أمر الأمة في البذخ والنعيم حتى يرهقوا الرعية ، فزهد ليسعد الناس . ومن هذا الصنف كثير من المصلحين والعلماء الباحثين ، يهجرون واحتهم ليستكشفوا ما يوفر الراحة للناس ، وهؤلاء - أيضا في الحقيقة لم يضحوا بلذتهم ، بل هم من صنف راق يجدون - في شعورهم بأنهم مصدر لإسعاد الناس لذة قلما تعادلها لذة .
ومن الزهاد صنف يتزهد تدينا ، يتقربون إلى الله بالامتناع عن التمتع بملذات الحياة ؛ ولهؤلاء نقول : إن الله تعالى شرع الشرائع لإسعاد الناس ، وقد رضي عمن
كتاب الأخلاق — صفحة 159
مساهمون: أحمد أمين
ص١٥٩