تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وتصرف في الأمر على أحسن وجه كان شجاعا حقا ؛ كالذي حكي عن عبد الملك بن مروان : أتاه في يوم واحد خير مقتل ابن زياد وهزيمة جيشه ودخول ابن الزبير فلسطين وثوران ثورة في دمشق ومسير ملك الروم إلى الشام ، فما تزعزع ولا طاش . وقد رئي في هذا اليوم ثابت الجنان غير مقتطب الوجه ، ثم شغل ملك الروم بمال يؤديه إليه . ووجه جيشا إلى فلسطين ، فاستردها وسار إلى دمشق فأسكن فتنتها .

الشجاعة الأدبية :

لما تقدم الناس في المدنية لم يكونوا حاجة كبرى إلى الشجاعة البدنية ، كما كانوا يحتاجون إليها أيام بداوتهم ، فظهر للشجاعة معنى جديد يسمونه الشجاعة الأدبية يعنون بها أن يبدي الإنسان رأيه ، وما يعتقد أنه الحق مهما ظن الناس به أو تقولوا عليه ، ومهما جر ذلك عليه من غضب عظيم أو أمير . لا يخاف من تحمل ألم يصيبه في سبيل قول حق يقوله أو مبدأ هام ينشره ، فلو رأى في مسألة غير ما يراه علماء وقته أو من حوله من الناس أو خالف حاكما أو عظيما جاهر برأيه غاضا عما يناله من الأذى ، يقول الحق بأدب وإن تألم منه الناس ، ويعترف بالخطأ وإن نالته عقوبة ، ويرفض العمل بما لا يراه صوابا ، ولو لم يقع رفضه موقعا حسنا . والتاريخ مملوء بكثير من الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل قوة الحق ونصرته ، وصبروا على الآلام عشقا للحق وهياما به ، واستعذبوا طعم الرزايا تنزل بهم ؛ لأنهم يحبون الحق أكثر مما يحبون أنفسهم ، ومنهم الأنبياء والمرسلون والشهداء ونوابغ العلماء ، فقد أوذوا في الحق فتحملوا الأذى وباعوا أنفسهم وأموالهم مرضاة له ؛ كالذي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء إليه عمه أبو طالب ينصحه بالعدول عن دعوة الناس ، فقال له : « يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك عذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته » . ومن هؤلاء سقراط الفيلسوف اليوناني ، وقد علم شبان أثينا ما وصل إليه علمه ، وبذل جهده في تثقيف عقولهم وتقويم أخلاقهم ، فلما بلغ سن السبعين اتهم بأنه يجحد آلهة اليونان ويضلل الشبان ، فحكم عليه بالإعدام ( 399 ق . م ) ،
كتاب الأخلاق — صفحة 154 | أحمد أمين