تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف ، فقد يكون الخوف فضيلة وعدمه رذيلة ؛ فالخوف عند إمضاء عقد سياسي مثلا أو إنهاء أمر خطير فضيلة ، إذ هو يحمله على الروية حتى يختمر رأيه . وفضيلة أن يخاف الإنسان من ثلم عرضه وشرفه ، فليس بشجاع من يدخل الحانة ويشرب جهارا أو يقامر على ملإ من الناس غير هياب ولا وجل ، فذلك ضعف في الشعور ، لا شجاعة . إنما الجبن المذموم والخوف المرذول أن يبالغ الإنسان في الخوف أو يهول في الشيء المخوف ؛ فمثلا كل إنسان عرضة لكلب - كلب يعضه - أو سلك ترام يصعقه ، أو سيارة أو قطار يدهمه ، أو نار تشب في بيته أو مكروب ينال منه ؛ كل هذه الأشياء تخيف ، ولكن الجبان يبالغ في الخوف منها ويخشى جد الخشية من وقوعها ، ثم يحمله خوفه على اجتناب العمل ، فلا يركب مركبا مثلا خوف أن يغرق به ، ولا يرحل عن وطنه إذا لم يجد عملا خوف أن يدركه الموت ، ولكن الشجاع لا يفكر كثيرا في احتمال الشر ، ثم إذا وقع لم يطر قلبه شعاعا ، بل يصبر له ويتحمله بثبات ، إن مرض لا يضاعف مرضه بوهمه ، وإذا نزل به مكروه قابله بجأس رابط فخفف من شدته ، وبالجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن يخاف منه ، ولا بالجبان الذي يخاف مما لا يخاف منه . وليست الشجاعة مقصورة على حمل السلاح ومشاهدة الحروب ؛ بل إن كثيرا من الأعمال اليومية يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة الجنود ، فرجال المطافىء والأطباء وعمال المناجم وصيادو الأسماك في البحار عند اشتداد الرياح وتلاطم الأمواج ، والممرضات اللائي يتعرضن للأخطار بتمريض المصابين بالأمراض المعدية وربانو السفن البخارية ، كل هؤلاء وأمثالهم شجعان يتحملون الأخطار كما يتحمل الجنود ، ويقابلون الشدائد بصبر وثبات . ومن أكبر مظاهر الشجاعة حضور الذهن عند الشدائد ، فشجاع من إذا عراه خطب لم يذهب برشده ، بل يقابله برزانة وثبات ويتصرف فيه بذهن حاضر وعقل غير مشتت . قد يرى إنسان نارا تلتهم بيته ، أو لصا يغشى منزله ، أو قطارا يكاد يهشم رجلا ، أو سفينة أشرفت على الغرق ، فإن فقد رشده وضاع صوابه وحار طرفه ودله عقله ولم يدر ما ذا يفعل كان جبانا ، وإن هو ملك نفسه وثبت قلبه
كتاب الأخلاق — صفحة 153 | أحمد أمين