تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الثقة بهم ، فهذا الكذب قد أضاع معاني اللغة ، وأزال الثقة بين الناس وينبغي للإنسان عند الحكم على شيء أن يوسع نظره ليرى ما يترتب عليه من الأضرار في المستقبل القريب والبعيد ، ومع هذا فإنا نوجب على الطبيب أن يتخير الألفاظ التي يستعملها لأداء الخبر ، وأن يفتح على المريض وأهله باب الأمل بالقدر الذي يعتقد ، ولكن لا يحيد عن الصدق . على أنه إذا كان الصدق قد يؤدي بحياة بعض الأفراد ، والكذب ينجيهم - وإن كنا لم نعثر في حياتنا اليومية على شيء من هذا - فلم لا نضحي بهذه الأنفس القليلة في سبيل الحق وفي سبيل المحافظة على معاني اللغة وثقة الناس بعضهم ببعض ، وهي كلها ركن عظيم من أركان العمران ، إذا كان من الصواب أن نضحي بالآلاف من النفوس للمحافظة على مملكة ، أفلا يكون من الحق أن نضحي بنفوس معدودة ونتحمل أضرارا محدودة للمحافظة على الحق ؟ فلندع هذا النوع من الجدل ، ولنلزم أنفسنا بقول الحق كل الحق في كل حال .

الشجاعة

الشجاعة مواجهة الألم أو الخطر عند الحاجة في ثبات ، وليست مرادفة لعدم الخوف كما يظن بعض الناس ، فالذي يرى النتائج ويخاف من وقوعها ثم يواجهها في ثبات رجل شجاع . وما دام الإنسان يعمل في موقفه خير ما يعمل فهو شجاع ؛ فالقائد الذي يقف في خط النار فيرتعش ويخاف أن ينزل به الموت ثم يضبط نفسه ويؤدي عمله كما ينبغي قائد شجاع ، بل هو شجاع أيضا إذا رأى أن خير عمل يعمله أن يتجنب الخطر ، وأن الواجب يقضي عليه أن ينسحب بجنوده حيث لا خطر ، فإن هو أضاع في موقفه رشده ، أو ترك موقفا يجب أن يقفه ، أو فر بجنوده من خطر كان عليه أن يواجهه فهو جبان . فليست الشجاعة تعتمد على الإقدام والإحجام ، ولا على الخوف وعدمه ، إنما تعتمد على ضبط النفس وعمل ما ينبغي ، فإن ضبط الشخص نفسه وعمل ما يجب أن يعمل في مثل موقفه رغم خطر أمامه ورغم ما يشعر به خوف فهو شجاع ، وإلا فلا .