تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
عنده ، ويرشد إلى طريقه التخلص من عيوبه ، فهذا صدق لا يؤلم ، وفيه من الفائدة ما ليس للمدح الصرف الكاذب ، إنما يؤلم النفس احتقار الشيء جملة ، أو أن يقال الصدق بخشونة وفظاظة . أما النقد المؤدب ، فأشهى إلى نفس طالب الحقيقة من القول الكاذب المزوق . 2 - الكذب في الحروب ، فقد ترى أمة محاربة لأخرى أن تكذب عليها للإيقاع بها ؛ كأن تقول إنها ستهاجمها من جهة لا تريدها ، أو تشرع بالفعل في الهجوم من ناحية وفي عزمها الهجوم من ناحية أخرى ، تريد بذلك التعمية عليها ؛ فهل يصح أن نلزمها الصدق فنضيع عليها النصر مع أن الحرب خدعة ؟ والجواب : أن الكذب في الحروب ليس كذبا في الحقيقة ؛ لأن الأمة بإعلانها الحرب على أمة أخرى قد أعلنتها بألا تفاهم بينهما ، وحيث لا تفاهم لا كذب ؛ لأن معنى إعلانها الحرب أنها ستفعل معها ما تستطيع من الإيقاع بها ولو بالخديعة ، فمثلها مثل من قال لآخر : « سأقص عليك خبرا كاذبا » ، ثم قصه عليه ، فليس هذا بكذب ؛ لأنه لم يخبره بغير ما يعتقد ، فإن اعتقد السامع صدق الخبر فاللوم عليه . 3 - وأدق من هذا وأصعب ما يحدث كثيرا ، يكون لامرأة ولد مرض بالسل مثلا وهي التي تمرضه وتعنى بشؤونه ، وكان قد مرض لها ولد من قبل بذلك المرض ومات منه ، استدعت الطبيب ففحصه وعرف مرضه فسألته : هل هو مصاب بالسل ؟ سألته وهي مرتبكة مرتجفة تخشى أن يكون الجواب نعم ، أفليس من الحكمة أن يقول الطبيب : إنها نزلة شعبية حتى تسترد قوتها وتعنى بالولد وهو في أشد الحاجة إلى عنايتها ، أو يقول الحق فتفقد قواها وترتبك في تمريض الولد فيثقل المرض عليه وقد يؤدي ذلك إلى موته ؟ إن الناظر إذا قصر نظره على هذه الحادثة في وقتها رأى أن الكذب قد يكون واجبا ، ولكنه إذا وسع نظره رأى أن الولد قد يبرأ من مرضه وتعلم الأم أن مرضه كالسل لا النزلة الشعبية ، وأن الطبيب قد كذب عليها رحمة بها ، فإذا مرض الولد ثانية وسألت الطبيب فلا تثق بقوله مهما أكد لها أن المرض ليس سلا ، ولو كان في الحقيقة كذلك ، ولو علم الناس أن الأطباء جميعا يتبعون هذه الطريقة لفقدوا