من غير حاجة تدعو إلى ذلك ، أو أن يحدث الطبيب الناس بأمراض من يعالجهم من الأسر ويسميهم إذا كان ذكر ذلك يسيئهم ، كما أنه ليس من الصراحة أن تفخر بأعمالك أو تفشي ما تعرفه من أسرار نفسك أو بيتك أو جيرانك أو أصدقائك ، ولو كان ما تحدث به حقا ، وإنما الصراحة ألا تقول - إذا قلت - إلا الحق ؛ ولكن لا تقوله إلا لمن له الحق أن يعرفه .
ومن ضروب الكذب الممقوت « خلف الوعد » ، فمن وعد وعدا وفي نيته عند وعده ألا يفي فقد كذب ، وكذلك من كان في نيته الوفاء ثم أخلف لا لعذر أو لعذر يستطيع التغلب عليه ، في خلف الوعد إضرار بالوعود كإضاعة وقته أو إيجاد أمل كاذب عنده أو نحو ذلك . والوعد دين ، فكما يجب وفاء الديون يجب وفاء الوعود ، ويجب الاقتصاد فيها حتى لا يعد الإنسان وعدا إلا وفي عزمه أن يعمل وفي استطاعته أن يفي .
ولا يحق لإنسان بحال من الأحوال أن يفتح على نفسه باب الكذب ، بل ينبغي أن يلتزم الصدق في جميع أقواله وأعماله ، ولسنا ننكر أن التزام الإنسان الصدق في كل ما يقول ويفعل يستلزم مشقة كبيرة ، ويحتاج إلى عناء ورياضة نفس وصبر وشجاعة ؛ ذلك لأنه قد يعرض للإنسان في حياته اليومية مسائل دقيقة يرى فيها قصار النظر أن الكذب أنفع ، وأنه لا مفر منه . ونحن نورد لك أمثلة من أقواها ونبين حجتهم في الكذب ، ثم نبين وجه الخطأ فيها :
1 - ناشىء ابتدأ يتعلم فن الشعر ، عرض عليك قصيدة له لم تستحسنها ، فهل تصدق وتقول : إنها قصيدة سقيمة المعاني ظاهر فيها التكلف ، سخيفة النسيج ، وحينئذ تكون قد آلمته وجبهته ، وقد يكون قولك سببا في تركه الشعر مع أنه لو شجع لكان بعد شاعرا مجيدا ؛ أو خير أن تكذب وتقول : إنها قصيدة جميلة ، فتدخل على قلبه السرور ، وتشجعه على السير في طريقه حتى يبلغ غايته ؟ .
والجواب : أن هنالك مندوحة عن الكذب ، فإن المسؤول إذا كان لا يجيد الشعر ، ولا يستطيع الحكم ، يمكنه أن يقول بحق : « لست من الشعر بالمنزلة التي تخول لي الحكم » ، فإن كان يجيده أو يستطيع أن يميز بين جيده ورديئه ، فليستحسن من الأبيات ما هو حسن في نظره ، ولينتقد بلطف وأدب مواضع النقد
كتاب الأخلاق — صفحة 150
مساهمون: أحمد أمين
ص١٥٠