تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
ولا يزال الإنسان يكذب حتى يفقد ثقة الناس به وتصديقهم له حتى فيما هو صادق فيه ، كما روي عن أرسطو أنه سئل : ما ضرر الكذب ؟ قال : ( ألا يثق الناس بقولك حين تصدق ) ، وكل إنسان في هذه الدنيا في حاجة شديدة إلى ثقة الناس به ، سواء كان تاجرا أو طبيبا أو مدرسا أو صانعا ، فمن فقد ثقة الناس به فقد حرم خيرا عظيما . وكما يكذب الإنسان على غيره كصاحبه وأخيه يكذب على نفسه ، وكثيرا ما يكون ذلك ؛ كمن يحاول أن يقنع نفسه بأنه بذل ما في وسعه لأداء ما يجب عليه ، وهو في الحقيقة لم يفعل ذلك ، وكما يحصل كثيرا من محاولة المرء أن يخلق لنفسه الأعذار عن كسله أو بخله أو قسوته أو جبنه غشا لنفسه وخداعا ، وصرفا لها عن الحق ، وقد يغلو المرء في هذا الأمر حتى عادة له وحتى لا يستطيع أن يفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب ، ويكون مثله مثل من يطيل الإقامة في الظلام ، فإذا خرج إلى النور فجأة لم يستطع الإبصار ، وهناك أنواع من الكذب قد وضعت لها أسماء خاصة . كالنفاق ، وهو أن يظهر الإنسان غير ما يبطن ، اشتقته العرب من النافقاء ، وهو إحدى حجرة اليربوع يخفيها ويظهر غيرها ليلجأ إليها عند الحاجة ، ومن هذا سمي الرجل الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر منافقا ، فهو كذب عملي ، ومن هذا النوع أيضا من يظهر الصداقة ويبطن العداء ، وكل من يظهر ينافي حقيقته منافق مذموم . وكالملق أو التملق : وهو أن تمدح آخر بما لا تعتقده فيه لتدخل في قلبه السرور رجاء أن تنال منه منفعة أو نحو ذلك . وضد النفاق والملق الصراحة ، وهي أن نفتح قلوبنا لمن نخاطبهم ، وأن نصدق في التعبير عما تكنه ضمائرنا - والكلمة مأخوذة من قولهم « لين صريح » إذا ذهبت رغوته وكان خالصا ، فالصريح من الناس من يخلص من الغش ، ويظهر لمن يحدثه حقيقة ما في نفسه - وقد يخطئ قوم في فهم الصراحة فيظنون أنها تقتضي أن يقول الإنسان كل حق لكل إنسان . وهذا ليس بصحيح فهناك مجال للقول ومجال للسكوت ، وليس من الصراحة أن تجرح إحساس الناس وتؤلم مشاعرهم