ومن الكذب أن يحذف المتكلم بعض الحقيقة ، ويذكر بعضها إذا كان ذكر ما حذف يجعل لما ذكر لونا خاصا .
وهناك طريقة واحدة للصدق ، وهو « أن يقول الإنسان الحق ، كل الحق ، لا لشيء غير الحق » .
وإنما كان الصدق فضيلة لأنه أهم الأسس التي تبنى عليها المجتمعات ، ولولاه ما بقي مجتمع ؛ ذلك لأنه لا بد للمجتمع من أن يتفاهم أفراده بعضهم مع بعض ، ومن غير التفاهم لا يمكن أن يتعاونوا ، وقد وضعت اللغات لهذا التفاهم الذي لا يمكن أن يعيشوا بدونه ، ومعنى الإفهام أن يوصل الإنسان ما في نفسه من الحقائق إلى الآخرين ، وهذا هو الصدق .
يتجلى لك ذلك في المجتمعات الصغيرة كالأسرة والمدرسة ، فكلاهما لا يبقى إلا بالصدق ، فلو كذب الطلبة في كل ما يتكلمون وكذب عليهم مدرسوهم في كل ما يعلمونهم ويحدثونهم ما بقيت المدرسة ، وكذلك البيت . وإذا كان المجتمع لا يمكن أن يبقى إذا كان كل منا يتكلم فيه كذبا ، كان من الواضح أنه يتضرر بقدر ما فيه من الكذب ، فقد يبقى إذا غلب فيه الصدق على الكذب ، ولكنه يكون فاسدا منحطا .
ويدلك على ضرورة الصدق أن أغلب المعلومات التي وصلت إلينا بالسماع أو القراءة مبناها الصدق ، وعليها يعتمد الإنسان في معاملاته وتصرفاته ؛ فلو كانت كذبا لكانت الأعمال المبنية عليها خطأ وضلالا ، ولما وصل إلينا من العلم إلا شيء قليل وهو ما يمكننا أن نجربه بأنفسنا ، وهو لا يغني في الحياة .
ومن أجل هذا عد الصدق أساسا من أسس الفضائل وجعل عنوانا لرقي الأمم وانحطاطها .
ومما يشاهد في شأن الكذب أن الكذبة الواحدة قد تستوجب عدة كذبات لتغطيها ؛ ذلك لأن الكذب يخلق في الدنيا يكذبه ما لم يكن ، يخلق خيالا لا يتفق مع الواقع ، وقد يضطره هذا الخيال الذي خلقه أن يكذب كثيرا ليوفق بين الواقع والخيال ، ومحال ذلك .
كتاب الأخلاق — صفحة 148
مساهمون: أحمد أمين
ص١٤٨