والكرم وسط بين السرف والبخل ، والعفة بين الفجور والخمود الخ . وهناك فضائل لم تضع اللغة أسماء لطرفيها الرذيلين ، ولكن هذا لا ينفي أن الفضيلة في هذه الحالة أيضا وسط بين رذيلتين ؛ ولكن كيف تعرف نقطة الوسط ، ومن الذي يحكم بأن هذه الحالة هي حالة الاعتدال دون غيرها ، وليس الأمر سهلا كخط نريد أن نعرف نقطة منتصفه ؟ لم يشأ أرسطو أن يتعرض لهذا ولا أن يضع أية قاعدة توصل إليه ؛ بل قال : إن ذلك متروك للظروف المحيطة بالشخص ، وللشخص نفسه ، فما يعد اعتدالا في ظرف قد يعد تطرفا في آخر ، وما هو كرم بالنسبة لإنسان قد يكون إسرافا أو بخلا بالنسبة لآخر .
وقد أوضح أرسطو هذا النظرية في كتابه وبنى عليها ما ذكره تفصيلا عن الفضائل ، وأخذها عنه ابن مسكويه في كتابه « تهذيب الأخلاق » وغيره من فلاسفة العرب وبنوا عليها كلامهم في الفضيلة ، وقد اعترض على هذه النظرية بجملة اعتراضات :
1 - أن « الوسط » في كلام أرسطو يفهم منه « المنتصف » ، وليس ذلك بصحيح ؛ فليست الفضيلة دائما في نقطة المنتصف ، أعني أنها ليست على بعدين متساويين من الشرين ، فالشجاعة مثلا أبعد من الجبن منها عن التهور . والكرم أقرب إلى نقطة السرف منه إلى نقطة البخل ، وهكذا .
2 - أن هناك كثير من الفضائل ، لا يظهر فيها أنها أواسط بين رذائل كالصدق والعدل ؛ فليس هناك إلا كذب أو صدق ، وعدل أو ظلم ، وقول ابن مسكويه : إن العدل وسط بين الظلم والانظلام ، لعب بالألفاظ دعاه إليه تصحيح كلام أرسطو ؛ فليس الانظلام إلا أثر الظلم .
3 - ليس لدينا مقياس مضبوط يبين لنا المنتصف بيانا تاما .
واتبع بعض المحدثين طريقة أخرى في تقسيم الفضائل ، فقالوا : إن الفضائل إما فضائل شخصية ، وإما فضائل اجتماعية ، وإما فضائل دينية ؛ فالأولى تشمل :
( 1 ) ضبط النفس ، ( 2 ) وتهذيب النفس ؛ فضبط النفس عن الانهماك في اللذائذ هو ( العفة ) ، وضبط النفس عن الاسترسال في الألم وشدة الخوف منه هو ( الشجاعة ) ، وتهذيب النفس - أعني حملها في العمل وفق العقل - هو ( الحكمة ) . والفضائل
كتاب الأخلاق — صفحة 146
مساهمون: أحمد أمين
ص١٤٦