تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الفضيلة من النوع الأول ، فهي فضيلة الفلاسفة وتوابغ الناس . وقد قال : إن الإنسان لا يستطيع أن يطفر دفعة واحدة إلى الفضيلة من النوع الأول ؛ بل لا بد أن يمر على دور الفضيلة العادية ، ثم يرقى منها إلى الفضيلة الفلسفية . وقد كان أفلاطون يوافق أستاذه أولا في أن الفضيلة واحدة ، ثم عاد وقال بتعددها ، وقال : إن للإنسان قوى متعددة من عقل وشهوة ، الخ . ولكل قوة عمل خاص ، وعن اعتدال كل قوة تنشأ الفضيلة ، وقال : إن أصول الفضائل أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ، ففي الإنسان قوى ثلاث : القوة العاقلة وهذه إذا اعتدلت نشأ عنها فضيلة الحكمة ، والقوة الغضبية وهي إذا اعتدلت نشأ عنها الشجاعة ، والقوة الشهوية أو البهيمية وهي إذا اعتدلت نشأ عنها العفة ، وهذه الفضائل الثلاث باعتدالها ينشأ عنها العدل ، فالعدل تتصف به النفس عند أداء هذه القوى الثلاث وظائفها باعتدال ، وعندما تكون متساندة بحيث تتعاون كل قوة مع الأخرى . ولم يسلم هذا التقسيم من نقد ، فإن الحكمة إذا فسرت بمعناها الواسع الذي يقتضيه اللفظ شملت جميع الفضائل من شجاعة وعفة وعدل وغيرها ، فكل شيء لا بد أن يتصف بالحكمة ليكون فاضلا . أما أرسطو ، فكان يذهب إلى أن جماع الفضائل « خضوع الشهوات لحكم العقل » ، وبعبارة أخرى : « تسليم زمام الشهوات للعقل يقودها » ، فللفضيلة عنصران : العقل والشهوة ؛ فلا بد من شهوة لتضبط ، فالزهاد الذين يقتلعون الشهوات من جذورها في ضلال مبين ، إنهم ينسون أن يجهلون أن الشهوات جزء أساسي من الإنسان ، فاستئصالها ضار بطبيعته ، مضيع لشطر منه ، بل إن استئصال الشهوات مضيع للفضيلة لأن الفضيلة - كما بينا - معناها شهوات موجودة يضبطها العقل ، لا شهوات معتدلة ، ومن ثم كان هناك طرفان ينبغي تجنبهما : الطرف الأول محاولة استئصال الشهوات ، والطرف الثاني إرخاء العنان لها ، إنما الفضيلة الاعتدال بحيث لا تطغى الشهوات على العقل ولا يطغى العقل عليها ، فتستأصل . وقد جر هذا القول أرسطو إلى وضع « نظرية الأوساط » ، أي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين : رذيلة الإفراط والتفريط ، فالشجاعة وسط بين التهور والجبن ،
كتاب الأخلاق — صفحة 145 | أحمد أمين