تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
من فضيلتين أو أكثر كالصبر ، فإنه ينتج من العفة والشجاعة ، وكالحذر من العفة والحكمة ؛ فما أصول الفضائل التي هي أساس لغيرها ؟ قد ذهب سقراط إلى أنه « لا فضيلة إلا المعرفة ( العلم ) » واستنتج من هذه النظرية نتيجتين : 1 - أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل الخير ما لم يعلم الخير ، وكل عمل صدر لا عن علم بالخير فليس خيرا ولا فضيلة ؛ فالعمل الخير لا بد أن يكون مؤسسا على العلم ومنه ينبع . 2 - أن علم الإنسان بأن الشيء خير علما تاما يحمله حتما على عمله ، ومعرفته بضرر شيء تحمله حتما على تركه ؛ وليس إنسان يعمل الشر وهو عالم بنتائجه ، فكل الشرور ناشئة عن الجهل أو العلم الناقص ، ولو علم المرء أين الخير علما صحيحا لعمله حتما ، وعلل ذلك بأن كل إنسان بطبيعته يقصد الخير لنفسه ويكره لها الشر ، فمحال أن يفعل ما يضرها وهو عالم بضرره ، فما يصدر عن إنسان من الخطأ إنما منشؤه الجهل بالعمل . وعلاج الشرير أن يعلم نتائج الأعمال السيئة التي تصدر عنه ، ولتعويد إنسان الخير وجعله مصدرا للفضيلة يعلم نتائج الأعمال الحسنة ، وتوسع في تطبيق نظريته ، فعنده الإنسان الخير هو الذي يعلم ما يجب عليه ، والملك الصالح هو الذي يعرف كيف يحكم الناس حكما عادلا ، وهكذا . وهو محق في الاستنتاج الأول من أن أساس الفضيلة المعرفة ، فلا يكون الإنسان فاضلا حتى يعرف الخير ويقصد إلى عمله . أما الذي يعمل العمل لا عن علم بخبرته فليس « فاضلا » - ولو كانت نتائج عمله حسنة - ومخطىء في النتيجة الثانية من أن المعرفة هي كل شيء ، وأنها تستلزم العمل على وفقها لا محالة ، فكثيرا ما نعلم الخير ونتجنبه ونعلم الشر ونأتيه ، فمعرفة الخير ليست كافية في الحمل على فعله ؛ بل لا بد أن ينضم إليها إرادة قوية حتى يعمل على وفق ما علم . وقد قال الأستاذ « سانتهلير » ردا على هذه النظرية : ( ليس ما يقع الإنسان فيه من الإثم ناشئا عن خطأ في الموازنة بين اللذة الحاضرة والآلام المستقبلة التي هي أكبر منها كما يعتقد سقراط ، ولا ناشئا عن جهل بطبائع الأشياء ، إنما منشؤه فساد
كتاب الأخلاق — صفحة 143 | أحمد أمين