تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
في الخلق يحمل الإنسان على تفضيل الشر على الخير وهو عالم بهما وبقيمة كليهما جميعا ، فإن الشرير لا يجهل البتة ما يفعل من سوء . . . إنه يشعر تماما بخسرانه ولكنه يسعى إلى هذا الخسران وهو آسف ، إنما هزيمة عقله نفسها هي الفاعلة للخطيئة ؛ لأنه إذا كان يجهل ما يفعل فليس بمجرم ولا بمسؤول أمام الناس ولا أمام الله ، وحينئذ بهذه المثابة لا تكون الفضيلة والعلم متماثلين ، فقد يعلم الإنسان ولا يعمل ضد ما يعلم . . . وإذا كانت الفضيلة في الواقع هي العلم وجب على الإنسان أن يقتصر على أن يعلم ليكون فاضلا ، وبذلك تتضاءل الحياة الأخلاقية إلى مجرد النظر والتأمل ) « 1 » . ورد ( أرسطو ) على نظرية سقراط ردا مقنعا ، فقال : إن سقراط جهل أو تناسى أن نفس الإنسان ليس مركبة من العقل وحده ، وتخيل أن كل أعمال الإنسان خاضعة لحكم العقل ، ومن ثم إذا علم العقل صدر العمل ، ولكنه نسي أن أكثر أعماله محكومة بالعواطف والشهوات ، وإذ ذاك قد يقع في الخطأ مهما علم العقل . وعلى رأي سقراط ليس هناك في الحقيقة إلا فضيلة واحدة ، وهي المعرفة ، وإن شئت فسمها الحكمة ، وليس غيرها من الفضائل كالشجاعة والعفة والعدل إلا مظهرا من مظاهرها وصادرة عنها . وأما أفلاطون ، فقال : إن الفضيلة الحقة ليست مجرد عمل الحق ، فإن العمل الحق قد يصدر عن أساس باطل ، إنما الفضيلة الحقة هي العمل الخير الذي يصدر عن علم بما هو الحق ولو كان هو الحق ، ومن ثم قسم الفضيلة إلى فضيلة فلسفية وفضيلة عادية ، فالفضيلة الفلسفية هي العمل الخير الذي أسس على العقل ، وصدر عن مبدأ اعتنق بعد التفكير . أما الفضيلة العادية ، فهي العمل الخير الذي نشأ عن عرف أو عن تقاليد أو غريزة أو عن شعور طيب ؛ فالفضيلة الثانية هي فضيلة العامة وأشباههم ، يعملون الخير لأن الناس يعملونه من غير تفكير في علة خيريته ؛ وقد قال أفلاطون : إن هذه أيضا فضيلة النمل والنحل ونحوهما ، فهي تعمل أعمالا طيبة لا عن علم . أما
هامش
( 1 ) مقدمة كتاب الأخلاق لأرسطو ص 49 - 50 جزء 1 .
كتاب الأخلاق — صفحة 144 | أحمد أمين