الفضيلة
الفضيلة هي الخلق الطيب ، وقد قدمنا أن الخلق هو « عادة الإرادة » ، فإذا اعتادت الإرادة شيئا طيبا سميت هذه الصفة فضيلة ، والإنسان الفاضل هو ذو الخلق الطيب الذي اعتاد أن يختار وأن يعمل وفق ما تأمر به الأخلاق ، وبذلك يكون الفرق بين الفضيلة والواجب واضحا ، فالفضيلة صفة نفسية ، والواجب عمل خارجي ؛ وعلى هذا يقال : فلان أدى الواجب ، لا يقال : أدى الفضيلة ، بل حاز الفضيلة .
وقد تطلق الفضيلة على العمل نفسه ، فيقال : « فضائل الأعمال » ، وليس يعني بها كل عمل أخلاقي ، بل الأعمال العظيمة التي يستحق فاعلها الثناء الجزيل ، فلا تسمي دفع ثمن ما اشتري فضيلة ، إنما تسمي الإتيان بالعمل الكبير مع تحمل المشاق في سبيله فضيلة ، ويشهد لهذا المعنى اشتقاق الكلمة نفسها ، فإنها مأخوذة من الفضل وهو الزيادة ؛ وعلى هذا المعنى تكون « الفضيلة » أخص من « الواجب » .
اختلاف الفضائل :
تختلف قيمة الفضائل في الأمم اختلافا كبيرا ، فلو أنا وضعنا لأمة قائمة تتضمن الفضائل مرتبة حسب أهميتها لها لوجدناها تخالف ما يجب أن يوضع لأمة أخرى .
ذلك لأن ترتيب الفضائل في كل أمة يجب أن يتبع مركزها الاجتماعي وظروفها المحيطة بها ، وما يفشو فيها من أمراض أخلاقية وما يحيط بها من أشكال حكومات ونحو ذلك ؛ فترتيب الفضائل في الأمة الزراعية غيره في الأمة الصناعية ، وفي الأمة الآخذة بحظ وافر من المدنية غيره في الأمة البدوية ، وفي الأمة البحرية غيره في الأمة ساكنة الصحراء وهكذا ؛ فالأمة الحربية ترى الشجاعة أهم فضيلة ، والأمة الآمنة المطمئنة ترى العدل خير فضيلة ، والأمة القائمة على الصناعة ، ترى الأمانة والاستقامة عماد الفضائل . . . وهكذا .
ويختلف أيضا مفهوم الفضيلة الواحدة باختلاف العصور ، فما كان يفهم من الشجاعة عند اليونان غير ما يفهم منه في العصور الحديثة ، قد كادوا لا يفهمون منها إلا الصبر على تحمل الآلام الجسمية ، واليوم نفهم منها ما هو أعم من ذلك