تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
تؤيدهم الأمة ، فالقائد الكبير إنما فخره نتيجة عمله وعمل الجنود الصغار ، بل وعمل من صنع للجنود نعالهم وملابسهم ونحو ذلك ، والسياسي العظيم لا يصل إلى غرضه إلا بمعونة كتاب يعينونه في فروع من العمل مختلفة ، وأفراد يبذلون ما يحتاج إليه من المال ، وأمة تلبي بأجمعها نداءه ، وتسير في الطريق الذي يخطه لها . الأمة كالساعة ، كل آلة لها عمل ، ولا بد من أداء كل آلة عملها لينتظم سيرها ، وإن كان يختلف عمل الآلات أهمية ، وسير هذه الآلات وانتظامها لا تقع عليه العين عادة ، وإنما مظهر هذا الانتظام سير العقارب ، فإذا دلت على الأوقات بالضبط دلنا ذلك على أداء آلة وظيفتها ، وإلا لا ؛ كذلك الحوادث العظيمة في الأمة والنجاح الكبير ، مظهره عظماء الرجال وقواد الجيوش . ولكن ما كان يتم ذلك في الحقيقة لولا أعمال آلاف من الناس لم يعرفهم التاريخ ، فهؤلاء الآلاف منزلتهم منزلة آلات الساعة الخفية ، والعظماء بمنزلة عقربي الساعة ، هما مظهران لأعمال عديدة دقيقة ، غير أن الشأن في الساعة أنه إذا تعطلت آلة منها وقفت الساعة جميعا . أما في الأمة ، فإذا تعطل أحد أفرادها عن السير حملت الأمة عبئه وسارت ، فالجندي في الجيش إذا خر صريعا سار الجيش وتحمل عبء الجندي ، وكان الأولى للجيش ألا يخر أحد منه صريعا وأن يحمل كل واحد عبئه فقط . فالفلاح في زرعه الأرض وعنايته بالبقر والغنم ، والنجار في صناعته ، والتاجر ببيعه وشرائه ، والجندي بمحاربته ، والكناس في الشارع يكنس الأقذار ، والأم تربي بنيها وتعنى بالبيت وشؤونه ، والأطباء بمحاربتهم الأمراض ومعالجتهم المرضى ، ورجال السياسة الذين ينصرون الحق ويخذلون الباطل بأقوالهم وأعمالهم ، والشعراء والموسيقيون وجميع رجال الفن الذين يمدون الحياة بالسعادة ، ويشعرون الناس بالجمال ؛ كل هؤلاء يخدمون وطنهم بعلمهم ، وكل هذه الأعمال لا بد منها لسير الأمة إلى الأمة ، وكل هؤلاء إذا أدوا أعمالهم بإتقان ولم يراعوا فيها مصلحتهم الشخصية فحسب ، بل راعوا فيها خيرهم وخير الناس ، فهم وطنيون صادقون يفخر الوطن بهم ويشرف بعملهم .