2 - وقف الحياة على خدمة الوطن ، وهذه وطنية السياسيين والمصلحين ، فالسياسيون يديرون دفة البلاد نحو ما يرقيها ويعلي شأنها ، ويقودون الرأي العام إلى ما فيه مصلحة الوطن ، فإن رأوا رأيا لم يرضه عامة الناس عملوا ما يرونه حقا ولم يثنهم عن عزمهم تهمة يتهمون بها ، ولا نقد يوجه إليهم ، يفضلون عمل الحق ولو أهينوا على عمل خطأ يرضي الجمهور وإن كرموا ، عمادهم إخلاصهم ، ومرشدهم وجدانهم . وأما المصلحون ، فإنهم يرون موضع الداء في الأمة فيعالجونه ، وكثيرا ما يحدث أن الداء يتأصل فيها حق تألفه وتظنه السلامة ، فإذا دعاها المصلح إلى العمل على الخلاص منه قامت في وجهه وعارضته وحسبته خارجا عليها ؛ كما قال الله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
[ البقرة : الآية 87 ] ، ولكن المصلح يزيده الاضطهاد تمسكا برأيه ودفاعا عنه ، ولا يزال الناس يلتفون حوله شيئا فشيئا حتى يصبح المذهب المقرر والرأي السائد ، ويعجب الناس إذا نظروا إلى ماضيهم كيف كانوا يعتقدون هذا المذهب الفاسد ، وكيف لم يدركوا فساده بمجرد الدعوة إليه .
3 - أداء الواجب ، وهذه وطنية الناس كلهم ، فأداء كل واجبه اليومي في عمله وفي بيته ومع أولاده وأصحابه ومن يعاملونه ، وانتخابه خير الناس إذا انتخب ، ومساعدته المشروعات النافعة بماله وعلمه وجاهه ؛ كل هذه وطنية صادقة صحيحة ترفع شأن الوطن وتعلي مكانته .
4 - تشجيع المصنوعات الوطنية والحاصلات البلدية وتفضيلها على غيرها من المصنوعات والحاصلات الأجنبية . كما أن وطنية الصانع والمنتج تقضي عليهما أن يبذلا الجهد لجعل المصنوع والمنتج في حالة لا تقل عن أمثالها مما يرد من الخارج ، وعلى الحكومة مساعدة ما تنتجه البلاد نفسها بما تضع من نظام الضرائب ونحوها ، وأن الأمة إذا ما ساعدت على حفظ الثروة في بلادها ، وجعلتها تنتقل من يدها إلى يدها ؛ وكلما زاد اعتمادها على البضائع الأجنبية انتقلت الثروة من يدها إلى يد غيرها ، وفقدت بذلك استقلالها الاقتصادي .
وبعد ، فكل إنسان يستطيع بعمله ولو حقيرا أن يخدم وطنه ، وليست خدمة الوطن مقصورة على العظماء ؛ بل إن العظماء لا يكون لهم أثر كبير ما لم