تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
من الشجرة ، كون هواؤه وتربته أجسامنا ، وصارت قوانينه وعرفه عاداتنا ، أصبحت طريقة أهله في مأكلهم وملبسهم وكلامهم طريقتنا ، نحن إليه ونأنس بقربه ، ونعتز بعزته ونألم لهوانه . على أن حب الوطن يكاد يكون طبيعيا في كل إنسان ، حتى لنرى بعض الحيوانات تحن إلى أوطانها ، كما تحن الطيور إلى أوكارها ، ولقد ينشأ البدوي في بلد جدب ومكان قفر وهو مع ذلك يسعد بوطنه ويقنع به ويفضله عن كل مصر ، ( وترى الحضري يولد بأرض وباء وموتان وقلة خصب ، فإذا وقع ببلاد أريف من بلاده ، وجناب أخصب من جنابه ، واستفاد غنى ، حن إلى وطنه ومستقره ) « 1 » ، هذا هو السر في أنك ترى البلد تفشو فيه أنواع الحميات أو يكون مثارا للبراكين من حين إلى حين أو عرضة لطغيان الماء أو عصف الرياح ، ثم لا يبرحه أهله ، ولا يعدلون به بلدا سواه ، ( قيل لأعرابي : كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيض وانتعل كل شيء ظله ؟ قال : وهل العيش إلا ذاك ؟ يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا ، ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح ، فكأنه في إيوان كسرى ) . ويكون حب الوطن عند أكثر الناس في حالة كمون إلى أن يدهم وطنهم خطر أو توجد دواعي تنبههم ، فتنبه مشاعرهم ، ويظهر حبهم لوطنهم بأجلى مظاهره ويدعوهم للعمل على خدمته ، فيبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل قصرته والذود عن مجده وحريته .

مظاهر الوطنية :

يستطيع الإنسان أن يخدم وطنه من طرق عدة : 1 - الدفاع عن البلاد إذا هوجمت أو أريد التعدي على حريتها ، وهذه هي وطنية الجنود ، وقد ظهر هذا النوع من الوطنية بأجلى مظاهره في الحرب العظمى ؛ فقد بذلت فيها الدماء من كل فريق من المتحاربين بسخاء حفظا للبلاد من التعدي عليها أو على حريتها .
هامش
( 1 ) الجاحظ .