وإنما جعلت بعض الأشياء ملكا خاصا وأخرى ملكا عاما ؛ لأنا رأينا أن الملك الخاص أدعى إلى عدم التبذير وإلى العناية ، وهو في هذين يفضل الملك العام ، ورأينا الملك العام يحمي من الاحتكار ومن استبداد المالك .
فالملك الخاص خير عندما تكون ملكيته أدعى إلى العناية والتدبير ، والملك العام خير عندما تكون ملكيته أنفى للاحتكار واستبداد فرد أو أفراد قليلين بها ، فالثياب التي يلبسها الإنسان وما يأكله والمسكن الذي يسكنه خير أن تكون ملكا له لأنه بها أكثر عناية ، ولا خوف فيها من احتكار واستبداد . أما المتحف أو الجزء من الشارع ، فلو كان ملك فرد لاستبد بالناس وفرض عليهم من الرسوم ما يضر بهم ، فكان من الخير أن يكون ملكا عاما .
وهناك أشياء كان من الواضح فيها أن تكون ملكا عاما لانطباقها على القاعدة المتقدمة في الملك العام ، ولكن أعطيت للشركات تديرها كشركة المياه وشركة النور - ومنعا لاستبدادها بالأمة عقدت الحكومة معها شروطا تجعل حدا أقصى لثمن الوحدات .
وليلاحظ أن الأشياء التي تقول إنها ملك عام هي التي يعبر عنها بأملاك الحكومة ؛ ذلك لأن الحكومة نائبة عن الأمة ، فهي تدير هذه الأملاك وتتصرف فيها نيابة عن الأمة .
ولا يزال الخلاف قائما على أشياء يرى البعض أنها يجب أن تكون ملكا عاما ، ويرى آخرون أن تقسم بين الأفراد فتكون ملكا خاصا كالأراضي الزراعية ، فإن بعض المذاهب الاشتراكية ترى أن تكون الأراضي وما في باطنها ملكا للجمهور ، ينتفع بها الناس على السواء ، فكادوا يلغون بذلك الملك الخاص ، وعلى هذا الرأي جرى « أفلاطون » في كتابه « الجمهورية » ، فكان يرى أن المثل الأعلى للحكومة حكومة يكون الناس فيها شركاء في المتاع وليس للأفراد فيها حق الملك ؛ وخالفه أرسطو ، فقد كان يرى أن خير مثال للحكومة حكومة يكون فيها الأفراد متمتعين بملك ما هم في حاجة إليه ، ولكنهم مع هذا يعلمون كيف يستعملون ما يملكون في خير الكافة .
كتاب الأخلاق — صفحة 127
مساهمون: أحمد أمين
ص١٢٧