مبدأ واحد ، وهو أنه إذا كان الشعبان متحدين في الجنس واللغة والتقاليد والشعور والعواطف والمنافع فلا يضرهما أن يكونا جسما واحدا ، كما حدث في ولايات ألمانيا وولايات أمريكا . أما إذا اختلفا في كل الاعتبارات الماضية أو بعضها كانت التبعية ضارة والاستقلال خيرا للأمة المحكومة ؛ كما هو الشأن في إنجلترا ومصر .
فإن قلت : ما الفائدة التي تعود على الأمة من استقلالها ؟ قلنا : إن فائدتها من ذلك كفائدة من يفك الحجر عنه ، فإنا إذا منحنا المحجور عليه حرية التصرف فقد يخطئ ، ولكن هذا هو خير طريق ليعتنى بشؤونه ، وليكون مسؤولا ، وأنه إذا كان حر التصرف زاد طموحه لتكميل نفسه ، وشعر بأنه إنسان حقا ، وكذلك الشأن في الأمم إذا منحت استقلالها شعرت بمسؤوليتها وطمحت ببصرها لتكون خيرا مما هي ، واعتقدت أن نتيجة مجهودها لها لا لغيرها ، فضاعف ذلك في جدها .
ووجه آخر وهو أن الأمتين - الحاكمة والمحكومة - إذا اختلفتا في الاعتبارات المقدمة أو بعضها كان كثيرا ما يحدث أن تتعارض مصالحهما ، فتكون مصلحة الأمة الحاكمة في شيء قد يضر الأمة المحكومة أو العكس ، فتنفذ الأمة الحاكمة ما يتفق ومصلحتها بحكم ما لها من القوة ، ولو أضر بالأمة المحكومة ؛ مثال ذلك أن الأمة الحاكمة كثيرا ما ترى خيرها في إنفاق أكثر ميزانية الأمة المحكومة على الأشياء المادية ، كإقامة الجسور وحفر الترع ولا تنفق على التعليم إلا النزر اليسير ؛ لأن التعليم كلما انتشر فهمت الأمة حقوقها وأصبح من الصعب خضوعها لحكم غيرها . أما الإنفاق على الماديات ، فيزيد في ثروة البلاد وهذه الثروة تحت يد الحاكم يصرفها كما يشاء .
وعلى الجملة فلا تحس الأمة بشخصيتها إلا إذا نالت حريتها ، ولا تنهض وتجد في نيل كمالها إلا إذا كانت تدبر شؤون نفسها بنفسها ، وهذا النوع من الحرية هو الخطوة الأولى في كثير من الأحيان لتحقيق الأنواع الأخرى ؛ كالحرية المدنية والسياسية .
النوع الثالث : الحرية المدنية :
لا يتمتع الفرد بهذا النوع من الحرية إلا إذا كان في أمة قد بلغت حظا من المدنية ، فالأمم المتبدية - حيث لا يأمن الفرد فيها على نفسه من القتل أو السرقة