تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وللرأي العام سلطان كبير على الأفراد ، فالإنسان غالبا يهمه رأي الناس فيه : يسره حسن اعتقادهم فيه وثناؤهم عليه ويؤلمه مقتهم له وذمهم إياه ، وهذا هو السبب في خضوع أكثر الناس لرأي من حولهم والعمل على وفق مشيئتهم ، وإذا هم تشجعوا وخالفوه أحسوا بضيق وتولاهم الخجل ، حتى كثيرا ما يفقدون شجاعتهم ويعودون إلى موافقة الجماعة . ولكن هل من الصواب أن نطيع الرأي العام دائما ونخضع لرأي من حولنا ، ولو اعتقدنا خطأهم ونخاف من نقدهم ومن خجلنا ؟ هب أن وسطا من الأوساط يرى عدم تعليم البنت ، فهل تنشىء بنتك جاهلة تبعا لرأي قومك ، وإن كنت لا تراه ؟ أو هب أنك ترى رأيا سياسيا يخالف رأي قومك ويدعوك للعمل في طريق مخالف ، فهل تعمل على وفق رأيهم أو على رأيك ؟ في ذلك نقول : يجب على المخالف أن يبحث في رأيه ورأي الناس بحثا دقيقا من جميع الوجوه ؛ فإن رأى أن ما عليه الناس أنفع للجماعة ولكنه أضر لنفسه وجب أن يطيع رأي الناس ؛ لأنه ليس المقياس الصحيح للخير والشر مصلحة الفرد . وأما إن كان يرى رأي الناس ضارا بالأمة ، فواجب عليه أن يسعى في تغييره ، ومن ضروب ذلك أن يخالفهم جهارا مهما لاقى من عناء ، فيعلم ابنته مثلا ويحارب رأي قومه ويقارعهم الحجة وبذلك ينضم إليه قوم ، ولا يزالون يكثرون حتى يكونوا رأيا جديدا يحل محل القديم ، أو لا يكون ذلك فيكون قد أرضى نفسه . وينبغي أن لا نخضع لحكم الخجل وألا يحملنا على ذلك متابعة من حولنا ، فإن حكم الخجل كثير الخطأ ، وكثيرا ما يخجل الإنسان من عمل الحق ، فالصالح وسط فساق قد يخجل من عدم شرب الخمر ، وليس من الصواب أن يطيع الخجل ويشرب الخمر ، كما أن الإنسان قد يخجل لا لذنب جناه ولا لجريمة ارتكبها كما يخجل لصممه أو عماه أو قصر نظره أو حبسة في لسانه - ولست أنكر أن الخجل قد يصحب الجريمة أيضا ، كمن يخجل إن رئي سكران أو أخذت عليه كذبة - ولكن إذا كان يتبع الجريمة وغيرها لم يسغ لنا أن نسير وراءه ونخضع لسلطانه ونخاف من عاقبته دائما ، كما يجب ألا نخضع لحكم الخوف من الناس ومن نقدهم ، فلو خشي كل ذي رأي أن يجهر برأيه المخالف ما تقدم العالم ؛ لأنه إنما