تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
ذلك أفراد الجمعية . وبديهي أن أفراد كل جمعية لا يستوي في مقدرتهم على نقد الأشياء وحكمهم عليها ، ولكن كل ما يتطلبه الرأي العام ألا تؤخذ الدعاوى قضية مسلمة بل يزلزلها الشك ثم يصدر الحكم عليها لأسباب معقولة ، وهذا مما يدخل في مقدور أوساط الناس . فأساس الرأي العام البحث - تعرض فكرة في ظرف خاص فيقوم فرد أو أفراد ينتقدون الفكرة أو ينكرونها ، فيهب من يراها حقا للدفاع عنها وتأييدها بما يقيم من البراهين ، ويشتد النزاع بين الأفكار ويؤدي ذلك إلى تحليلها تحليلا دقيقا ، ثم يؤول الأمر إلى الاتفاق على شيء ، ولا يبقى أحد يضاد الفكرة أو يبقى عدد قليل لا يقاس بالأولين ، فكون هذا رأيا عاما . بهذه الطريقة تنهار العقائد الفاسدة وتقوم المذاهب الصحيحة وتصح أنظار الأمة ، ولا تقف في الرقي عند حد . والرأي العام لا يرقى في أمة إلا بقدر ما لها من الحرية في البحث وبقدر ما لأفرادها من القدرة على تمحيص المسائل وسعة الرأي المخالف . ويساعد على تكوين الرأي العام حرية الصحافة والخطابة ، فإذا كانت الجرائد حرة فيما تكتب والخطباء أحرارا فيما يقولون ، لا يصد الناس صاد عن الاجتماع والكتابة ، أسرع الرأي العام في التكون . أما إذا قيدت الحرية وخاف الكتاب والخطباء أن يفقدوا مناصبهم أو يصادروا في أملاكهم أو يساؤوا في معاملتهم إذا عبروا عما في نفوسهم بصراحة ، فقل أن يوجد رأي عام . وكذلك يعمل في تكوين الرأي العام في هذه الأيام عاملان آخران ، وهما الإذاعة والسينما ، فقد اتخذتهما الأمم وسيلتين كبيرتين من وسائل تكوين الرأي العام ، فإذا أحسن القيام عليها كونتا رأيا عاما صالحا ، وإلا كونتا رأيا عاما ضالا مضللا .

سلطانه :

للرأي العام في الأمم الممدنة سلطان قلما يساويه سلطان ، فله نفوذ على القوانين في وضعها وعلى الحكومة في خطتها وعلى الإدارة في سيرها ، ولمجلس النواب الذي يمثل الرأي العام الحق في إسقاط وزارة وإقامة أخرى .