تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وكثيرا ما يتردد الإنسان بين مخالفة القانون وإطاعته ، وذلك يكثر حيث تتحارب العواطف مع العقل ، كما لو كلف شرطي بالقبض على لص كان قد أسدى إليه معروفا ، ففي هذا الموقف قد تحمل الشرطي عواطفه على أن يكافىء اللص على معروفه بعدم القبض عليه ، ولكن بالتأمل نرى أنه يجب أن يقبض عليه لأن الشرطي ليس واضعا للقانون ولا مفسرا له ، وإنما هو منفذ فحسب ؛ ولأن كون اللص ذا مروءة لا يلغي أنه تعدى على مال الغير ، وهذا ما سبب القبض عليه . ووجه ثالث وهو أن الشرطي بقبوله هذا العمل قد تعهد أن ينفذ الأوامر ويفعل الخير للمجتمع ، فليس يقبض على اللص لشخصه حتى يكون ما أسداه من المعروف مانعا ، وإنما يقبض عليه لأنه ضار بمجتمعه ، وهذا لم يزل بما فعل من الخير ، إنما له الحق أن يقدم إلى اللص هدية من ماله على معروفه أو نحو ذلك . ومن هذا القبيل ما يحدث كثيرا من أن القانون يوجب تبليغ الصحة عن المصابين ببعض الأمراض حتى تؤخذ الاحتياطات ، فلا تنتشر العدوي إلى الأصحاء ، وكثيرا ما تدعو الشفقة إلى مخالفة هذا القانون مع أن نظرا بسيطا يكفي للإقناع بوجوب طاعته ، كما بينا في المثال السابق ؛ وقس على ذلك : يجب في هذه الأمثلة ونحوها أن نخضع لحكم العقل وألا نرخي العنان لعواطفنا تسيطر علينا .

الرأي العام :

كثيرا ما يخلط الناس بين الاعتقاد العام والرأي العام والعرف العام ، ونبدأ قولنا بالتفريق بينهما ، فإذا فشت في أمة عقيدة اعتنقها الناس من غير بحث فيها ولا درس لها بل
قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
[ الزخرف : الآية 22 ] ، فذلك اعتقاد عام . وإذا اعتادت أمة عملا حتى صار يصدر منها عن غير رؤية ، فذلك عرف العام . أما إذا ظهرت فكرة في جمعية فقام أفرادها بامتحانها ونقدها ثم اتفقوا بعد في الحكم عليها فذلك رأي عام ، فلا يكون رأي عام إلا إذا عرضت المسألة بادىء بدء للشك فيها وسلط عليها النقد ، ثم قامت البراهين على صحتها ، واشترك في