ومما يساعد على إطاعة أن يوسع الإنسان نظره ، فلا يقتصر على النظر لنفسه في حادثة خاصة ، بل ينظر لمعنى القانون والحكومة وفائدتهما كما ينظر في السبب الذي من أجله وضع القانون ، وما ذا يكون الحال لو أن الناس كلهم عملوا كما عمل فخالفوا القانون ؟ وليس من الحق أن يرضى لنفسه بمخالفة القوانين ولا يرضى ذلك للناس في موقف كموقفه ؛ فليس هو إلا فردا من أفراد الأمة ، يجوز له ما يجوز لسائر الأفراد ، ويحرم عليه ما يحرم عليهم .
أما إذا رأى أحد أن قانونا من القوانين ظالم ضار بالأمة ، وأنه يجب تغييره فهناك طرق يجب أن يسلكها لذلك ، كتقديم اقتراح إلى مجلس النواب يبسط فيه ضرر القانون القديم وضرورة تغييره ، وكالكتابة في الجرائد ونحو ذلك ، وفي أثناء جهاده في تغيير القانون يجب أن يحترمه ويخضع له .
ومن خير الأمثلة على ما يجب أن يعمل في مثل هذا الموقف وما حكي عن جون همبدن
) nedpmaH (
أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي في حكم شارل الأول ! ذلك أن الملك في سنة ( 1936 م ) كان في حاجة إلى المال ، ففرض على الأهالي ضريبة من غير أن يستشير البرلمان في فرضها ، واحتج أعوان الملك بأن له الحق قديما أن يفرض الضرائب من غير برلمان ، واحتج معارضوه بأن سلطة الملك قد تقيدت بالبرلمان فلم يعد من سلطانه فرض الضرائب .
فلما ذهب المحصلون إلى همبدن قالوا له : « يجب أن تدفع الضريبة بحكم القانون » ، فأجاب : « إن القانون لم يوجب علي شيئا وإن طلبكم غير قانوني » ( ويجب أن يلاحظ هنا أنه لم يجب بأن القانون سيىء ، وإنما أجاب بأنه لم يكن قانونا مستوفيا لشروط التشريع ) ، ثم قدم للمحاكمة وعين لمقاضاته اثنا عشر قاضيا ، انحاز ثمانية منهم إلى رأي الملك ، فكانت الأغلبية على همبدن فحكم عليه ، فاحترم الحكم وخضع له ودفع الضريبة لأنه بحكم المحكمة صار الدفع قانونيا ، ولكنه رأى أنه قانون ظالم فجد في تغييره .
ولما رأى همبدن أن ملك إنجلترا وأعوانه يخرجون على القانون ويضعون القوانين الظالمة اجتهد في تأليف جماعة كبيرة على رأيه ، وجاهد في سبيل ما يعتقده الحق وفي تغيير ما يراه ظلما حتى قتل سنة 1643 م .