ومحاكم وقضاة وعقوبات توقع على المخالفين ، وخير القوانين ما يعبر عن رأي الأمة كلها أو أغلبها ، كما أن خير خضوع للقانون هو الخضوع عن رضا واختيار ؛ ذلك لأن هذا الخضوع لا يسلب المرء حريته ولا يجعله يتحين الفرص للمخالفة .
يجب أن نحترم القانون ونطيعه لأنه يفيد الناس ويسبغ عليهم من الحرية أكثر مما يسلبهم كما بينا ، وفي خرق حرمته ضرر بالأمة بليغ .
وكثيرا ما يحدث بعض الناس أنفسهم بمخالفة القوانين والهرب من عقوبتها إذا رأوا في اتباع القانون ضررا بهم ، ويعرض هذا للناس كثيرا في أعمالهم اليومية ، كالذين يخفون ما معهم من السلع فرارا من القانون الذي يلزم كل شخص بدفع ضريبة على ما يأخذه معه من السلع في السكك الحديدية بشروط معينة ، ويبررون عملهم بأن القانون قاس ، ومن العدل أن تؤخذ الضريبة من التجار وهم ليسوا كذلك ، وإنما يحملون معهم ما به يقتاتون مثلا ، أو يقولون : إن على عمال السكك الحديدية أن يراقبوا الركاب ويعرفوا ما معهم مما يستوجب الدفع ، وليس على الركاب أنفسهم أن يخبروا العمال ، أو يقولون : إنهم ليسوا بأغنى من الحكومة ، فدفع الضريبة يؤثر في ماليتهم أثرا كبيرا ، ولكن قلما يظهر أثره في مالية الحكومة .
وبالتأمل نرى أن هذه الأقوال واهية ، وأن كل إنسان مكلف بحماية القانون ، وأنه بقوله أن يكون فردا في الأمة تعهد قوانينها ، وأنه يخرق حرمتها يضعف سلطان الحكومة ، وأنه بعصيانه قانون السكك الحديدية يبيح لغيره مخالفة « القانون المدني » وآخر « قانون العقوبات » وهكذا ؛ لأنه قلما يسلم قانون من أن يراه بعض الناس غير عادل ، وبذلك نكون قد عرضنا كل القوانين لأن تخالف ، وفي هذا من الضرر ما بينا ، وبديهي بطلان دعوى أن ذلك واجب على عمال السكك الحديدية لا على الركاب ، فكلنا يحتقر من يأكل في مطعم ويختبىء في الخارجين حتى لا يراه صاحب المطعم . وكلنا يعد هذا عملا رذلا خسيسا ويعد من السخافة أن يقول : إن على صاحب المطعم أن يراني وليس علي أن أريه نفسي ، وليس غنى الحكومة بعذر صحيح يسوغ للفرد ألا يدفع ما عليه ، كما أن غنى الدائن لا يسقط حقه في الدين مهما كان المدين فقيرا ، وإنما غنى الحكومة من مبالغ صغيرة كهذه تجمعت فكونت غنى ، ولو أجزنا هذا العمل لكل فرد أفقر من الحكومة لافتقرت .
كتاب الأخلاق — صفحة 114
مساهمون: أحمد أمين
ص١١٤