سلب للحرية ، ولكن إذا دققنا النظر رأينا القانون وسيلة من وسائل نيل الحرية لا من وسائل سلبها ، فالمتوحش الذي لا قانون له حياته مهددة ، يحتاج إلى عناية شديدة في المحافظة على نفسه . أما الحضر ، فلا يحتاج إلى عناء في حفظ حياته ، وقواه موفرة ليرقى نفسه في تحصيل علم أو نحو ذلك ، لأن قوة القانون تحميه ، فالقانون وإن كان ضيق عليه وألزمه المحافظة على حقوق الناس وإلا فالعقوبة تحل به ، فإنه ضيق على غيره من الناس وألزمهم بمراعاة حقه كذلك ، فكان له فيما وراء حدود القانون متسع ، فلسنا ننكر أن القانون صاد للإنسان عن بعض الأعمال مقيد لبعض حريته ، ولكن ما يكسبه الفرد من الحرية بوضع القانون أكثر مما يفقده .
لذلك كانت جمعية من الناس تبلغ درجة من الرقي تضع لنفسها قوانين تنظم شؤونها وتحفظ لها حريتها ، وتسهل عليها طريق العمل ، فتكسب بها من الحرية أكثر مما تفقد . مثال ذلك : « قانون المباني » وهو القانون الذي يحتم على كل بان في القاهرة مثلا أن يأخذ رخصة من « وزارة الأشغال » وهي تحدد له موضع البناء الخارجي ، فلو لم يكن هذا القانون ما انتظمت شوارع ولا طرق ولصعب على الناس السير للوصول إلى أغراضهم ، فلما وضع هذا القانون سلبهم حرية البناء في ملكهم كما يشاؤون ، ولكن منحهم سهولة السير ونظام الأعمال وحسن المنظر .
احترام القانون :
في العصور الماضية وفي الأمم المستبد بأمرها يوضع القانون بإرادة الملك أو فئة قليلة تمثل الأمة ، وهؤلاء ينفذونه بالقوة رضيت الأمة أو أبت ، وفي الأمم الشورية يوكل وضع القانون آلى بعض الخبيرين ، ثم يعرض على البرلمان « المجلس النيابي » وأعضاء هذا البرلمان قد انتخبتهم الأمة ليعبروا عن رأيها ، فهم إذا قبلوا شيئا أو رفضوه فمعنى ذلك أن الأمة قبلته أو رفضته ، وبعد عرضه يتناقش فيه الأعضاء ثم تؤخذ الآراء ، فإذا وافقت عليه الأغلبية صار قانونا ؛ لأن معنى موافقة أغلبية البرلمان موافقة أغلبية الشعب ، فيخضع أكثر الناس للقانون ويحترمونه لأنهم هم الذين عملوه ، وهو يعبر عن إرادتهم . أما العدد الذي كان معارضا ، فكثير منهم يخضع عن رضا واختيار لأنهم يحترمون رأي الأغلبية ، ومن لم يخضع نفذ عليه القانون جبرا ، ولذلك أحاطت كل أمة قانونها بسياج لحمايته : من شرطة