تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
كبيرة من الرقي والحكمة لم يكونوا في حاجة إلى قانون ، ولم تصل أمة ما إلى هذه المنزلة من الرقي . والقوانين الوضعية تتبع حالة الناس ، وهي مظهر من مظاهرهم فإذا وجد شيء في الناس يستدعي قانونا جديدا وجب أن يوضع ، وإذا تغيروا عما كانوا عليه وقت وضع القانون وجب أن يتغير القانون ؛ فمثلا ظهر في الوجود سيارات لم تكن ، وهددت حياة الناس ، فاضطررنا إلى وضع قانون يدرأ هذا الخطر بإيجاب تسجيل السيارة وتحديد سرعة سيرها ومنح رخصة للسائق وهكذا - كذلك ما اخترع من الآلات البخارية والكهربائية أدخل تغييرا كبيرا في حياتنا الاجتماعية اضطررنا معه إلى وضع كثير من القوانين الجديدة ، فقطارات البخار بدل الجمال ، وطواحين بخارية بدل طواحين الهواء ، ومدن آهلة بالسكان أنشئت مكان قرى حقيرة ، وبريد وتلغراف ونحوهما ، كل ذلك غير شكل المعاملات بين الناس حتى صارت تخالف من وجوه كثيرة المعاملات في الأزمان السابقة ، فكانت نتيجة ذلك وضع قوانين جديدة . بل كثيرا ما يكون تغير أفكار الناس وحده كافيا لتشريع جديد . فمثلا قد مر على الأمم الأوروبية زمن كانت تعد فيه التعليم مسألة شخصية ، فللأب أن يعلم أولاده وله ألا يفعل ، ثم تغيرت أفكارهم ورأوا ضرورة نشر التعليم بينهم ، واعتقدوا أن التعليم حق من حقوق الأمة لا مسألة شخصية ، فوضع كثير من الأمم قانونا جديدا يجعل التعليم الأولي إجباريا وبالمجان . هذه أمثلة قوانين جديدة لم تكن . أما مثال التغيير في القانون ، فما نراه يحصل بين آن وآخر من تعديل مادة من المواد بأخرى يرى المشرعون أنها أنسب لحال الناس من الأولى . من هذا ترى أن القوانين يجب أن تتبع تغيرات الأحوال الاجتماعية وما يطرأ على الناس من رقي ؛ وأنه لا يمكن لحكومة أن تضع قانونا صالحا للعصور المختلفة .

القانون والحرية :

قد يظن لأول وهلة أن القانون أنشئ لتقييد حرية الفرد ؛ ذلك لأنه قيل : القانون حر أن يفعل وألا يفعل . أما بعد وضع القانون ، فإذا لم يطعه عوقب وهذا