تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وقد تقدم الناس في فهم هذه « الأخوية العامة » ، فتوثقت الرابطة بين الأمم وكثر انتفاع بعضها ببعض ، فامتدت السكك الحديدية بين أمة وأخرى ، وعبرت البواخر البحار ، والطائرات الأجواء ، فارتبطت الأمم برا وبحرا وجوا وعقدت مخالفات كثيرة بين الأمم المختلفة لمصلحة الناس كالاتفاق العام على البريد والتلغراف والسكك الحديدية ، ومن الأدلة على ذلك ما تراه من ميل كثير من الناس إلى توحيد المقاييس والموازين ، وإنشاء لغة عامة سهلة ، وعقد مؤتمرات عامة يحضرها من يمثلون حزبهم في كل أمة « كمؤتمر الاشتراكيين » و « مؤتمر البرلمانات » إلى كثير من ذلك . * * * هذا هو شأن المجتمعات ، ونسبة الفرد إليها أنه عضو من أعضائها ، ولا يخلو إنسان من ارتباطه بمجتمعات كثيرة ، فكل إنسان عضو في أسرة وفي مدينة أو قرية وفي أمة وفي العالم بأسره . وقد اختلف الباحثون في أن الإنسان مدني بالطبع ، أي مفطور على الاجتماع الذي هو المدنية في عرف الحكماء - أو أن الناس كانوا يعيشون مستقلين كل يعيش لنفسه ويسعى لنفسه ، ولكنهم اجتمعوا باختيارهم وفكروا فرأوا خيرا لهم أن يعيشوا جماعات ، وأن يتنازلوا عن جزء من حريتهم لأن معيشتهم الاجتماعية تقضي عليهم بالتنازل عنه للتمتع بالجزء الباقي منه . وليس هذا موضع ترجيح أحد القولين . وعلى كل - فالإنسان من قديم - قد عاس عيشة اجتماعية ، وكانت له علاقات بمن حوله من الناس وهو يؤثر فيهم ويتأثر بهم . ومن المجتمع يستمد الفرد كل شيء من مأكل وملبس ومسكن وعلم وخلق ، ولو جرد الإنسان من كل شيء ناله من المجتمع ما بقي له شيء ؛ فجسمه وعقله وخلقه منحة من منح المجتمع ، وقد أخطأ ابن طفيل « 1 » في رسالته
هامش
( 1 ) ابن طفيل : فيلسوف أندلسي مات سنة 531 ه ، ألف رواية « حي بن يقظان » بطلها « حي » كان يعيش في جزيرة لا يسكنها أحد من الناس وليس له علاقة بأحد من أهل الجزائر الأخرى ، بحث بعقله بحثا منطقيا متدرجا من البسيط إلى المركب حتى وصل إلى الاعتقاد بالله ، وغرضه فيها أن يبين أن الشرع يتفق مع العقل . وقد ترجمت الرواية إلى اللاتينية وظهرت ترجمتها سنة 1671 م . وحذا حذوه الكاتب الإنجليزي « ديفو » ، فألف رواية روبنصن كروسو فرض فيها بطل الرواية قد -