والقاضي العادل يعدل بين الناس فيأمنون على حقوقهم ويثق ذو الحق بأنه سيصل إلى حقه ويخاف المجرم من عقوبة الإجرام ، فيبتعد عنه ، ويجد العامل في عمله لأنه يعلم أن نتيجة سعيه له ، وأنه إن اغتصب حقه فالقضاء كفيل برده إليه ، وعلى العكس من ذلك القاضي المرتشي . ولا يخلو إنسان من أثر وإن لم تره عيوننا ، كالشعرة لها ظل وإن لم تدركه أبصارنا ، فإذا ضم إليها شعرات كان الظل جاليا واضحا . وهذا الأثر يختلف تبعا لاختلاف درجات الناس في الصلاح والفساد ، ومقياس رقي الأمة وانحطاطها مجموع عمل أفرادها .
بل قد تجلى للباحثين في الأيام الأخيرة أن الناس كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ودينهم جسم عضوي واحد ، فكل أمة تؤثر في الأمم الأخرى وتتأثر بها في صنائعها وعلومها وأخلاقها مهما اختلفت أمة من الأمم غنية بمعادنها وصنائعها وعلومها عما حولها . بل ترى أن الله قد قسم الخيرات على العالم ، فأمة غنية بالحبوب ولكنها في حاجة إلى المعادن ، وأخرى على العكس منها وهكذا ، وكل ينفع وينتفع :
والناس من بدو وحاضرة * بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
اعتبر ذلك في أيام الحرب العظمى ترى أن كل أمة محايدة كانت أو محاربة قد أصابها الضنك بسبب حاجتها إلى أشياء كانت تجلبها من الأمم الأخرى ، فأصبح نيلها عسيرا ، وقد جرت هذه الحقيقة - أعني اعتبار الجنس البشري جميعه جسما واحدا وكل أمة عضوا من أعضائه - بعض الباحثين إلى النظر في الحروب التي تقع بين الأمم وذهبوا إلى أنها ليست بسائغة كما لا يسوغ أن يعمل عضو في جسم على إضعاف عضو آخر ، وتمنوا أن لو زال مثار الخلاف بين الأمم حتى لا يكون مساغ للحرب . واقترحوا لذلك إنشاء محكمة تحكم بين الأمم كما تحكم المحاكم بين الأفراد المتنازعين ، وهذه هي المسماة بعصبة الأمم - أولا ، وهيئة الأمم المتحدة أخيرا - وقال هؤلاء : إن الخلاف الطبيعي بين الأمم في الأخلاق والعادات لا يحيل إمكان التأليف بينها ، كما أن الاختلاف بين أفراد الأسرة بالذكورة والأنوثة والشدة واللين لم يمنع من توحدها واعتبارها جسما واحدا ، ولكنهم مع هذا دعوا إلى « الوطنية » والمحافظة على « القومية » ما دامت الأمم الأخرى تدعو إليها ؛ لأن انعدام « الوطنية » في أمة مع بقائها في الأمم الأخرى مؤذن بزوال تلك الأمة .