أثمانه فيكون القطر كله في رخاء . تاجر يبيع للفلاح ما يحتاجه ، ومؤجرون يسهل عليهم تحصيل إجارتهم ، وحكومة تحصل الخراج من غير عناء ، وتتيسر المعاملات بين الناس ؛ فالملاك بقبضهم أجور أملاكهم يعمرون ويبنون فينتفع البناؤون والنجارون ومنهم ينتفع غيرهم . . . وهكذا .
وأوضح المثل لاشتراك الأمة في المنافع والمضار المثل الجغرافية ، فخزان أسوان بقعة من بقاع القطر المصري يؤثر في سعادة مصر جميعها ، فيصرف المياه بقدر حسب الحاجة إليها ، ولو تهدم ولم يؤد عمله لتضرر القطر كله .
والمدارس العليا في القاهرة لم تنشأ لمنفعة القاهرة فحسب ، بل أنشئت لمصلحة مصر كلها ، يتعلم فيها أبناؤها من جميع سكانها .
بل تأمل في كل طائفة من طوائف العمال كعمال السكك الحديثية وسيارات النقل وما ينال الناس من الخير منهم ، واعتبر ذلك في أوقات اعتصابهم كيف يعطل كثير من الأعمال ، ويتأذى كثير من الناس .
وعلى مثال ما قدمنا يمكن القول بأن الأمة كلها يلحقها ضرر بليغ من وجود عدد كبير من أفرادها يشتغلون في معامل غير صحية ، ويسكنون في أزقة قذرة ، لا يصل إليها هواء نقي ولا تطهر مساكنها الشمس ، فتضعف صحتهم وتقصر آجالهم ، ويكثر العجز فيهم فلا يستطيعون أداء أعمالهم حق أداء . ويصبح كثير منهم عالة على الأمة ، يأكلون من عمل غيرهم ، فهم أعضاء مريضة عاجزة في جسم حي .
وكذلك الشأن في الأمة إذا كثر فيها عدد الجاهلين أو السكيرين ، ومحال أن يكون جسم الأمة صحيحا وفيها يكثر المقامرون أو المدمنون .
وكما أن كل عضو في الجسم ينفع سائر الأعضاء وينتفع منها ويضر سائر الأعضاء ويتضرر منها ، فكذلك الحال في جسم الأمة ، فالمتعلمون مثلا ينتفعون من الأمة بمالها وسعيها لتنتفع الأمة منهم بعد بعلمهم وعملهم ، وهكذا كل طائفة من طوائف العمال ، فالمعلمون والنجارون والمزارعون والتجار وغيرهم أعضاء يكونون جسم الأمة .
وكل فرد عضو في أمته يؤثر فيها أثرا صالحا أو سيئا ؛ فالمدرس الصالح يبث في روح تلاميذه أخلاقا صالحة ويجعلهم أقرب إلى الخير ، وغيرهم يقتدي بهم ،
كتاب الأخلاق — صفحة 108
مساهمون: أحمد أمين
ص١٠٨