شرح
التوكل هو الرضا وهو إشارة إلى أعظم بمراته ، وقيل هو تسليم الأقدار كلها للقادر واعتقاد أن جميعها قضاؤه وقدره ، وهو إشارة إلى القدر المفروض منه . وقال ابن عطاء : ليس التوكل لزوم الكسب ولا تركه إنما التوكل طمأنينة في القلب إلى النار ، وكذلك قال أبو عبد اللّه القرشي في التوكل : إنما هو اطمأن إلى اللّه سرا وجهرا ورضى به كفيلا ونحوه . قال رويم إنما التوكل الثقة باللّه في كل ما ضمن في حال . وقال أبو موسى الدبيلى : التوكل هو أن يستوى عندك البادية وباب الطاق . وقال غيره : التوكل استيلاء الوجد على إشارة وحذف التشرف إلى الإرفاق ، يعنى يغلب وجده إشارته بقول أوهمة فيشغله عن التفرغ إلى غيره . وقيل التوكل هو الكف عن الأغيار في السر والعلانية والسكون إلى الخلق بلا واسطة . وقال سهل : التوكل هو التقوى ، واحتج بقوله تعالى« اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ »فإن المعنى اعبدوه بالتوكل : وقال مرة : هو إظهار الفقر والفاقة إليه . ووافقه في ذلك أبو بكر محمد بن موسى الواسطي فقال : التوكل هو قصد الفاقة والافتقار .
وقال النهرجورى : التوكل نسيان حظوظ النفوس . وقال الخواص : التوكل الاكتفاء بعلم اللّه فيك من تعلق القلب بسواه ، وقال يحيي بن معاذ : من حقيقة التوكل ترك العبد محابه لمحاب اللّه واختياره لاختيار اللّه وتدبيره لتدبير اللّه بالغناء عن نفسه وبالنظر إلى مجارى الأحكام والقدر ، وهذا إشارة إلى المقام الثالث وهو أن يكون بين يدي اللّه تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه في حال إلا أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت يمينا وشمالا ، وهو الذي قوى يقينه بأنه مجرى للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات وأن كلا يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجرى عليه وهذا بعينه مفاد قول سهل رحمه اللّه . قال القشيري قال سهل بن عبد اللّه : أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير . وقال صاحب القوت وقد كان سهل يقول :
تلقى نفسك في اللج وتحت جريان الحكم ، وقال مرة : تكون بين يديه مثل الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء : وأنشدت لبعضهم :ولما رأيت القضاء جاريا * لا شك فيه ولا مرية
توكلت حقا على خالقي * وألقيت نفسي مع الجرية