تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وكفايتك إنّما هو من اللّه عزّ وجلّ لا بأحد دون اللّه ، ولا بحطام من الدّنيا ، ولا بسبب من الأسباب ، ثمّ اللّه سبحانه إن شاء سبّب له مخلوقا أو حطاما ، وإن شاء كفاه بقدرته دون الأسباب والوسائط ، وإذا ذكرت ذلك بقلبك وتوطّنت عليه وانقطع القلب عن المخلوقين والأسباب بمرّة إلى اللّه سبحانه وحده ، فقد حصّل التّوكّل حقّه ، فهذا حدّه .
شرح
والفقر والخصاصة ، كذا في سراج السالكين ( وكفايتك إنما هو ) أي ما ذكر من قوام البنية وسد الخلة ( من اللّه عز وجل لا بأحد دون اللّه ولا بحطام من الدنيا ) حطام الدنيا ما فيها من مال قليل أو كثير ( ولا بسبب من الأسباب ؛ ثم اللّه سبحانه إن شاء سبب ) أي جعل السبب ( له ) أي للعبد المتوكل ( مخلوقا أو حطاما ) من الدنيا ( وإن شاء كفاه ) أي العبد ( بقدرته ) تعالى ( دون الأسباب والوسائط ) وذلك كما وقع لأبى الحسين النوري رحمه اللّه أنه جاع في البادية فهتف هاتف أيما أحب إليك سبب أو كفاية ؟ فقال الكفاية فليس فوقها نهاية فبقى سبعة عشر يوما لم يأكل هكذا ذكره القشيري ( وإذا ذكرت ذلك ) أي إن قوام البنية وسد الخلة إنما هو من اللّه دون غيره ( بقلبك وتوطنت عليه ) أي على ذكر ذلك ( وانقطع القلب عن ) الاعتماد على ( المخلوقين والأسباب بمرة ) بل كان اعتماد القلب وتوجهه وذكره ( إلى اللّه سبحانه وحده ) دون غيره ( فقد حصل التوكل حقه فهذا ) أي الذي ذكرناه من أن الأقاويل ترجع إلى أصل واحد ( حده ) أي التوكل ، وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكره المصنف فلا بأس أن نورد ما قاله الشيوخ ولا سيما في بعض ما قالوه في حقيقة التوكل ، وفي بعضه إشارة إلى أعلى مقاماته ومعرفة ذلك مهمة ، فنقول : قال أبو طالب المكي صاحب القوت : قال بعض العارفين لما سئل عن حقيقة التوكل ؟ هو الفرار من التوكل : أي يتوكل ولا ينظر إلى توكله أنه لأجله يكفى أو يعافى أو يوفى فجعل نظره إلى توكله علة في توكله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، ولا يكون بينه وبين الوكيل شئ ينظر إليه أو يعول عليه أو يدل به حتى التوكيل أيضا الذي هو طريقه . وقد عبرت طائفة من أهل المعرفة عن هذا المعنى بعبارات ، فقال أبو تراب النخشى : التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية . وقال الزقاق : التوكل رد العيش إلى يوم واحد وإسقاط هم غد . وقال غيره : التوكل هو الخمود تحت الموارد ، وكان بعض أشياخنا إذا سئل عن التوكل أجاب عنه بعين الحقيقة : فيقول : هو أن تكون مع الحق كما لم تكن فان الحق الآن كما لم يزل . وقال الجريري : التوكل معاينة الاضطرار : أي يكون بضاعته عند مولاه الإفلاس وحاله في الأعمال الإياس . وقال سهل : التوكل هو التبري من الحول والقوة . وقال غيره هو عدم الاهتمام بما قد كفى كما لا يهتم الصحيح بالدواء إذا عوفي . وكان الحسن يقول :
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 98 | السيد احمد بن زيني دحلان