الدّنيا على حسب ما قدّر اللّه تعالى وقسم له أن يملكه وهو من رزق اللّه تعالى ، قال تعالى :
( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ )
أي ممّا ملّكناكم .
وأمّا الموعود : فهو ما وعد اللّه به عباده المتّقين بشرط التّقوى حلالا من غير كدّ ، قال اللّه تعالى :
( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .
شرح
الدنيا على حسب ما قدر اللّه تعالى و ) ما ( قسم له ) أي لكل واحد ( أن يملكه وهو ) أي المملوك ( من رزق اللّه تعالى . قال ) اللّه ( تعالى )« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ » )قال المصنف ( أي مما ملكناكم ) قيل أراد به الزكاة الواجبة ، وقيل أراد به صدقة التطوع والإنفاق في وجوه الخير ( وأما ) الرزق ( الموعود فهو ما وعد اللّه به عباده المتقين بشرط التقوى حلالا من غير كد ) أي تعب ومشقة ( قال اللّه تعالى« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ») من كرب الدنيا والآخرة ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه . وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قرأها فقال : مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة . وقال صلّى اللّه عليه وسلم « إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم : ومن يتق اللّه ، فما زال يقرؤها ويعيدها » كذا ذكره النسفي . وقال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما فأتى عوف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشتكى إليه الفاقة ، وقال إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اتق اللّه فاصبر وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه » فعاد إلى بيته وقال لامرأته إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرني وإياك أن نكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، فقالت نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الأغنام له . وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من انقطع إلى اللّه كفاه اللّه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها » وقال الزجاج : أي إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح اللّه عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب . وعن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من أكثر من الاستغفار جعل اللّه له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب » والتوكل على اللّه لا ينافي تعاطى الأسباب فترك تعاطيها اتكالا على اللّه خسة همة وعدم مروءة لأن فيه إبطال الحكمة التي أحكمها اللّه في الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب كما ذكره الخطيب . فان قيل نرى كثيرا من الأتقياء مضيقا عليه في الرزق . أجيب بأنه لا يخلو عن رزق ، والآية لم تدل على أن المتقى يوسع له في الرزق بل دلت على أنه يرزق من حيث لا يحتسب