تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وأمّا حصن التّوكّل الباعث عليه ، فهو ذكر ضمان اللّه ،
شرح
لكان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية وكان ما فات عليه من حقيقة التوحيد أشد عليه مما أدرك من توهم التوكل ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر علي أحكامه كيف جرت وطالبوا قلوبهم بالرضا عنه بأي معنى جرى انتهى . فان قال قائل إن كانت الإرادة قد خصصت الأشياء ووضعها في مراتبها والقدرة توجب ذلك بالضرورة في الوقت المقدر ، إذ من المحال أن تخصص الإرادة شيئا ولا توجده القدرة على وفاق التخصيص فما فائدة التوكل ، وقد قال تعالى« وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ »فالجواب عن هذا كالجواب في مسئلة الدعاء ، فكما أن الدعاء عبادة في نفسه فكذلك التوكل عبادة تعبدنا اللّه تعالى بها ، وهو والدعاء من جملة الأسباب التي رتب عليها مسبباتها ، ولذلك قال اللّه تعالى« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ »ومعلوم أن اللّه تعالى مولى المؤمنين والكافرين إلا أن للمؤمنين ولاية خاصة سوى الولاية العامة بسبب توكلهم علي مولاهم ؛ وكما أن الدعاء إذا وافق المشيئة حصل المدعو به بعينه وإن لم يوافق المشيئة عوض عن المدعو المطلوب أضعافا فكذلك المتوكل يتوكل على اللّه في جميع أموره والرب تعالى يجرى عليه أحكامه التي سبقت بها مشيئته ، فان وافقت غرض المتوكل فهو الزبد بالشهد وإن خالفت غرضه عوضه اللّه تعالى على توكله أضعاف ذلك ، ومن هنا قالوا إن التسليم أفضل درجات التوكل لابتنائه على أعز أنواع العلم والحكمة كذا حققه الزبيدي . ثم شرع المصنف في بيان حصن التوكل وحصن حصنه ، فقال رحمه اللّه تعالى ( وأما حصن التوكل الباعث عليه ) أي الحامل على التوكل ( فهو ذكر ضمان اللّه ) للرزق الذي تدوم به حياة العبد وهو الرزق الطالب ، وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن جل جلاله واطمأن إلى ضمانه وسكن إليه قلبه فإن الذي أحاط به تدبير اللّه من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق ، بل مداخل الرزق لا تحصى ومجاريه لا يهتدى إليها ، وذلك لأن ظهوره على الأرض وهي من عالم الملك ، وسببه في السماء وهي من عالم الملكوت . قال اللّه تعالى« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » .وأسرار السماء لا يطلع علي تفاصيلها لأنها من عالم الملكوت . وذكر الشيخ ابن عطاء اللّه في كتاب [ التنوير ] لهذه الآية فوائد ما ملخصها : أي يا هذا المطلع للرزق من المخلوق الضعيف العاجز في الأرض ليس رزقك عنده إنما رزقك عندي وأنا الملك القادر ، ولأجل هذا لما سمع بعض الأعراب هذه الآية نحر ناقته وخرج فارا إلى اللّه تعالي وهو يقول : سبحان اللّه رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض . فانظر كيف فهم عن اللّه أن مراده بهذه الآية أن يرفع هم عباده إليه وأن تكون رغبتهم فيما لديه كما قال في الآية الأخرى« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ »لتنحاش الهمم إلى بابه وتجنح القلوب إلى جنابه ، فكن سماويا علويا ولا تكن سفليا أرضيا ولذلك قال بعضهم :أبعد نفوذى في علوم الحقائق * وبعد انبساط في مواهب خالقي وفي حين إشرافى على ملكوته * أرى باسطا كفا إلى غير رازقى