شرح
أولاها الصبر عند البلاء ، وأوسطها الشكر عند شهود البلاء ، وآخرها الرضا بمجارى الأقدار والأحكام ، هذا ما ذكره العلامة الزبيدي من كتاب قوت القلوب مع الاختصار . وقد ذكر القشيري في الرسالة بعض ما هو في القوت فلنذكر ما لم يذكره صاحب القوت . قال حمدون القصار : التوكل هو الاعتصام باللّه ، وقد أشار بذلك إلى عموم التوكل في المقامات الثلاث ، وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا ؟ قال : إذا رضى باللّه وكيلا . وسئل ابن عطاء عن حقيقة التوكل فقال : أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها ، وذكر القشيري قول أبى تراب النخشى السابق إلا أنه زاد بعد قوله بالربوبية :
والطمأنينة إلى الكفاية ، فان أعطى شكر وإن منع صبر . وقال ذو النون : التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع عن الحول والقوة ، وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه . وقال سهل : التوكل الاسترسال مع اللّه على ما يريد ، وهذا إشارة إلى مقام التسليم وفيه ترك الاختيار . وقال غيره : التوكل أن يستوى عندك الإكثار والتقلل ، وهذا إشارة إلى مقام من مقامات التوكل . وقال ابن مسروق : التوكل الاستسلام لجريان القضاء والأحكام وهذا إشارة إلى مقام التفويض وفيه ترك الاختيار وهو المقام الثالث . وقال أبو عثمان الحيري : التوكل الاكتفاء باللّه مع الاعتماد عليه وهذا إشارة إلى المقام الثاني . وسئل الزقاق عن التوكل ؟ فقال هو الأكل بلا طمع وهذا إشارة إلى إحدى أماراته . وقيل : التوكل نفى الشكوك والتفويض إلى ملك الملوك ، أراد بنفي الشكوك قوة اليقين وأطلق التوكل على التفويض وهو أعلى منه لأنه من ثمراته كما أن اليقين من أصوله ففيه إشارة إلى الأصل والثمرة . وقيل التوكل الثقة بما في يد اللّه تعالى واليأس عما في أيدي الناس ، وهذا إشارة إلى سبب التوكل الذي هو الاعتماد على اللّه لا على نفسه ، وقيل التوكل فراغ السر عن التفكر في التقاضى في طلب الرزق وهذا إشارة إلى ثمرة من ثمرات التوكل لا نفسه فإن من توكل على اللّه ولم يلتفت إلى غيره من الأسباب استراح قلبه من هم الاكتساب وإن أمر بالاكتساب .