وحصن حصنه ذكر جلال اللّه وكماله في علمه ورزقه وقدرته ونزاهته عن الخلف والسّهو والعجز والنّقص ، فإذا واظب العبد على هذه الأذكار بعثه على التّوكّل على اللّه سبحانه في أمر الرّزق .
فإن قيل : هل يلزم العبد طلب الرّزق بحال مّا ؟ فاعلم أنّ الرّزق المضمون الّذى هو الغذاء
شرح
وكيف تقر له بالربوبية يوم «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» وتعرفه وتوحده وتجهله ههنا وقد تواتر عليك إحسانه وغمرك فضله وامتنانه كما قيل :في القلب لكم منزلة علياء * لا تسكنها سعدى ولا لمياء
في الذر عرفتكم فهل يجمل بي * أن أنكركم ولحيتي شمطاءفهذه الآية هي التي غسلت الشكوك من قلوب المؤمنين وأشرقت في قلوبهم أنوار اليقين .
وقد تضمت ذكر الرزق ومحله والتشبيه له بأمر لا خفاء فيه . وفيها فوائد : [ الأولى ] لما علم سبحانه كثرة اضطراب النفوس في شأن الرزق كرر رزقه كما تكررت ورود عوارضه على القلوب كما تكرر الحجة . إذا علمت أن الشبه مستمكنة في نفس الخصم ليكون ذلك أوكد في الحجة فذكر في هذه الآية محل الرزق وبينه لتسكن إليه القلوب ، وليس الضمان مع إبهام المحل كالضمان مع تبيينه فهذا أبلغ في ثقة النفس به وأقوى في دفع الشك فيه . [ الثانية ] يحتمل أنه أراد إثبات رزقكم أي إثباته من اللوح المحفوظ ، ففيه إعلام لهم أن الشئ الذي منه رزقكم أثبتناه عندنا في كتابنا وقضيناه بمشيئتنا من قبل وجودكم فلأىّ شئ تضطربون ومالكم إلىّ لا تسكنون وبوعدي لا تثقون ؟
ويحتمل أنه أراد بالرزق الماء . وقال ابن عباس : هو المطر فيكون الشئ الذي منه أصل رزقكم ولأن الماء في أصله رزق . [ الثالثة ] يمكن أن يكون مراد الحق بهذه الآية تعجير العباد عن دعوى القدرة على الأسباب ، لأن اللّه تعالى لو أمسك الماء على الأرض لتعطل كل ذي سبب ، فكأنه يقول ليست أسبابكم هي الرازقة لكم ، ولكن أنا الرازق لكم ، وبيدي تيسير أسبابكم لأنى أنا المنزل لكم ما به كانت أسبابكم . [ الرابعة ] في اقتران الرزق بالأمر فائدة جليلة ، وذلك أن المؤمنين علموا أن ما وعدهم الحق لا بد من كونه ولا قدرة لهم على تعجيله ولا تأجيله ، ولا حيلة لهم في جلبه ، فكأنه تعالى يقول كما لا شك عندكم أن عندنا ما توعدون كذلك لا يكن عندكم شك في أن عندنا ما ترزقون ، وكما أنكم عن استعجال ما وعدنا قبل وقته عاجزون كذلك أنتم عاجزون عن أن تستعجلوا رزقا أجلته ربوبيتنا ووقتته إلهيتنا ( وحصن حصنه ) أي التوكل ( ذكر جلال اللّه وكماله في علمه وقدرته ونزاهته عن الخلف ) اسم من الإخلاف ( والسهو والعجز والنقص ، فإذا واظب العبد على هذه الأذكار ) أي أذكار ضمان اللّه وجلاله وكماله ، وغير ذلك ( بعثته ) أي حملته هذه الأذكار ( على التوكل على اللّه سبحانه في أمر الرزق . فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ما ، فاعلم ) أرشدك اللّه ( أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء