وأمّا المملوك : فما يملكه كلّ واحد من أموال
شرح
فجعلها عامة في كل شئ يقتضيه ظاهر اللفظ فيزيد اللّه ما يشاء في الرزق والأجل ، وكذا القول في السعادة والشقاوة والإيمان باللّه والكفر ، ونقل نحو هذا عن عمر وابن مسعود فإنهما قالا : يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء . وروى عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكى ويقول « اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتنى فيها وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحنى منها وأثبتنى في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب » وروى مثله عن ابن مسعود ، وقد ورد في بعض الآثار أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلي ثلاثين سنة هكذا ذكره البغوي بغير سند ، وروى بسنده عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ينزل اللّه تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت » ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء دون بعض . فقال المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر عوضا عن الحكم المتقدم ، وقيل إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو اللّه ما يشاء من ديوان الحفظة مما ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قول القائل : أكلت شربت دخلت خرجت ونحو ذلك من الكلام وهو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب وعقاب وهذا قول الضحاك . وقال الكلبي : يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه شئ ليس فيه ثواب ولا عقاب ، وقال ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة اللّه ثم يعود لمعصية اللّه فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو ، والذي يثبت هو الرجل يعمل بطاعة اللّه ثم يموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت . وقال الحسن يمحو اللّه ما يشاء : يعنى من جاء أجله فيذهبه ويثبت من لم يجئ أجله . وقال سعيد بن جبير : يمحو اللّه ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء منها فلا يغفرها ؟ وقال عكرمة : يمحو اللّه ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت بدل الذنوب حسنات . وقال السدى . يمحو اللّه ما يشاء : يعنى القمر ويثبت الشمس وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها اللّه عند النوم فمن أراد موته محاه وأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ، وقيل إن اللّه يثبت في أول كل سنة حكمها فإذا مضت السنة محاه وأثبت حكما آخر للسنة المستقبلة ، وقيل يمحو اللّه الدنيا ويثبت الآخرة ، وقيل هو المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة ؛ وقيل إن اللّه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء لا اعتراض لأحد عليه ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
فإن قلت : مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلي يوم القيامة فكيف يستقيم مع هذا المحو والاثبات . قلت : المحو والاثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئا ولا يثبت شيئا إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر هكذا ذكره الخازن .