تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
بمقدار مقدّر ووقت مؤّقت لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدّم ولا يتأخّر عمّا كتب بعينه ، كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الرّزق مقسوم مفروغ منه ليس تقوى تقىّ بزائده ولا فجور فاجر بناقصه .
شرح
( بمقدار مقدر ) في الكثرة والقلة ( ووقت مؤقت لا يزيد ) كل واحد مما ذكر عن مقداره ووقته ( ولا ينقص ) عما ذكر ( ولا يتقدم ولا يتأخر ) واحد مما ذكر ( عما كتب ) : أي قدر في علم اللّه الأزلي ( بعينه ) ولهذا ينبغي للعبد أن يشتغل باللّه تعالي بذكر وفكر ومراقبة ولا يهتم برزقه فإن الرزق مضمون يأتيه لا محالة حتى يظهر له ملك الموت فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق الآخرة ، وإليه يشير كلام أكثر الشيوخ في معنى التوكل ؛ فمن كانت مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم واستراح العباد من أذاه وشغل عنهم بخدمه مولاه ، وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء ، وهو أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه ، وأنه لو سأل اللّه تعالى أن لا يرزقه لما استجاب له وكان في سؤاله ذلك عاصيا ولقال له يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ؟ ولذلك قال ابن عباس رضى اللّه عنه : اختلف الناس في كل شئ إلا في الرزق والأجل ، فإنهم أجمعوا على أن لا رازق ولا مميت إلا اللّه تعالى . وروى أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد . قال قال عيسى عليه السّلام : اعملوا للّه ولا تعملوا إلى بطونكم ، انظروا إلى هذا الطير يغدو ويروح لا يحرث ولا يحصد ، اللّه تعالى يرزقها . فان قلتم نحن أعظم بطونا من الطير ، فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد ، اللّه سبحانه يرزقها ، اتقوا فضول الدنيا فان فضول الدنيا عند اللّه رجز . وقال أبو يعقوب السوسي رحمه اللّه : المتوكلون تجرى أرزاقهم بعلم اللّه واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا تعب ، وغيرهم مشغولون مكدودون . وقال بعضهم : العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم من المولى ثم يفترقون في المشاهدات ، فمنهم من يأكل رزقه بذل ، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بلا مهنة ولا انتظار ولا ذلة ، فأما الذين يأكلون أرزاقهم بالذل فالسؤال يشهدون بأيدي الخلق فيذلون لهم ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب الخلق معذب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بامتهان فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنته وكده ، والذين يأكلون أرزاقهم بعز بغير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة ولا يرون الواسطة ، كذا نقله بعض المحققين عن القوت لأبى طالب المكي رحمه اللّه ( كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الرزق مقسوم مفروغ منه ) : أي من قسمته ( ليس تقوى تقى ) وعبادة عابد ( بزائده ) : أي الرزق على ما قسم له ( ولا فجور فاجر ) وكفر كافر ( بناقصه ) أي الرزق عن قسمته ، وهذا في علم اللّه الأزلي الذي لا يتغير ولا يتبدل .