تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
شرح
قال سعيد بن جبير وقتادة في قوله تعالى« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »يعني يمحو اللّه ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله . وقال ابن عباس : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى عن حذيفة بن أسيد . قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى فيقضى ربك ما يشاء فيكتب الملك ، ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما يشاء ويكتب الملك ، ثم يقول الملك يا رب رزقه فيقول ربك ما يشاء ويكتب الملك ، ثم يخرج الملك الصحيفة فلا يزيد على أمر ولا ينقص » أخرجه مسلم . وروى الشيخان عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الصادق المصدق « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه ملكا بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » . فإن قلت هذا الحديث والذي قبله صريح بأن الآجال والأرزاق مقدرة ، وكذا السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره اللّه وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصانها ، وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي سعيدا ، وقد صح في فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر ، فكيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين قوله تعالى« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » .قلت قد تقرر بالدلائل القطعية أن اللّه عالم بالآجال والأرزاق وغيرها ، وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه ، فإذا علم اللّه أن زيدا يموت في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده ، وهو قوله تعالى« فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » *فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص . وأحاب العلماء عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع وغير ذلك . والجواب الثاني منها أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلا ستون سنة إلا أن يصل رحمه ، فان وصلها زيد له أربعون سنة ، وقد علم اللّه في الأزل ما سيقع من ذلك وهو معنى قوله تعالى« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » :أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصور الزيادة . وأما انقلاب الشقي سعيدا والسعيد شقيا فيتصور في الظاهر أيضا لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة ، وكذا العاصي ونحوه ، وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم والعياذ باللّه تعالى فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة ، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة وما يختم اللّه به له ، وهو المراد من علم اللّه الأزلي الذي لا يتغير ولا يبدل ، واللّه أعلم ، وأصل المحو إذهاب أثر الكتابة وضده الإثبات ، فمن العلماء من حمل الآية على ظاهرها