تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ولنرجع إلى المقصود من غرضنا . وأمّا الرّزق المقسوم : فهو ما قسمه اللّه سبحانه وكتبه في اللّوح المحفوظ ممّا يأكله ويشربه ويلبسه كلّ واحد
شرح
وَما تَعْمَلُونَ »يوضح لك المقصود فاعرفه . الثاني ومما اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن الصانع جل وعز خلقنا بمقتضى رحمته وكلفنا بمقتضى حكمته ، وجعل من أطاع له الجنة بمقتضى فضله ، ومن أبى له النار بمقتضى عدله من غير أن يكون طاعة المطيع علة لاستحقاق ماله جعل ، وإباية من أبى علة أيضا لماله جعل ، بل علة الجميع تخصيص إرادته وحكمته ومشيئته فلم تكن الأعمال إلا علامة لأربابها الذين خلقت فيهم على ما يؤول إليه أمرهم من سعادة أو ضدها ، وقد اتفق حملة الشرع على أن الاعتماد علي العمل شرك خفى ، ولو كانت الأعمال موجبة للثواب لكان الاعتماد عليها واجبا ؛ وفي الفقه الأبسط للامام أبي حنيفة رحمه اللّه : وحق اللّه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، فإذا فعلوا ذلك فحقهم عليه أن يغفر لهم ويثيبهم عليه ، فأشار بالجملة الأخيرة إلى أن الأعمال لو كانت سببا موجبا للإثابة والعقاب لما تخلف واللازم باطل لثبوت العفو والمغفرة في البعض كما في التوبة اتفاقا وثبوت الهدم والإحباط عمن عاش على الكفر ثم آمن أو على الإيمان ثم كفر ، واشتراط الموت على ذلك للاستحقاق يبطل الاستحقاق أصلا لعدم الشرط عند تحقق العلة وانقضاء العلة عند تحققه كما في شرح المقاصد ، والمحدث يتمسك بقوله صلى اللّه عليه وسلم « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا ولا أنت يا رسول اللّه قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » والأحاديث في ذلك كثيرة والصوفي يقول : من تحقق بعبودية نفسه على أن لا شئ له يوجب الحظوة عند سيده إلا بفضله وإلا لو كان شئ يوجب الحظوة غير الفضل لكان منازعا للسيد في سيادته فافهم . واللّه المستعان ( ولنرجع إلى المقصود من غرضنا )

[ الكلام في الرزق المقسوم ]

وهو بيان أقسام الرزق ( وأما الرزق المقسوم ، فهو ما قسمه اللّه سبحانه ) لعباده ( و ) ما ( كتبه ) لهم ( في اللوح ) هو في الهواء فوق السماء السابعة وهو معلق بالعرش كما قاله القرطبي ( المحفوظ ) وهو أم الكتاب ، ومنه تنسخ الكتب ، وسمى محفوظا لأنه حفظ من الشياطين ومن الزيادة والنقص ، وهو عن يمين العرش . وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال : إن في صدر اللوح لا إله إلا اللّه وحده ، دينه الإسلام ، ومحمد عبده ورسوله ، فمن آمن باللّه عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة . وقال : واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، وحافتاه الدر والياقوت ؛ ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه من نور ، وكلامه سر معقود بالعرش ، وأصله في حجر ملك ، وفي رواية كتابته نور معقود بالعرش ( مما يأكله ) العبد من الطعام ( و ) ما ( يشربه ) من الشراب ( و ) ما ( يلبسه ) من الثياب ( كل واحد ) من المأكول والمشروب والملبوس