تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ما هو رزقهم ، وأين هو ، ومتى هو ؟ ليطلبوه بعينه من مكانه ، وفي وقته ليصلوا إليه ، فوجب أن يكفيهم أمر ذلك ويوصّلهم إليه . والثّالث : أنّه كلّفهم الخدمة وطلب الرّزق شاغل عنها فوجب أن يكفيهم المؤنة ليتفرّغوا للخدمة ، وهذا كلام من لم يحط بأسرار الرّبوبيّة ، والقائل بأنّ الرّزق على اللّه واجب تائه ، وقد أوضحنا في فنّ الكلام فساده ،
شرح
ولا يعلمون ( ما هو رزقهم وأين هو ؟ ) أي الرزق ( ومتى هو ) أي مجىء ذلك الرزق ( ليطلبوه بعينه ) أي الرزق ( من مكانه وفي وقته ليصلوا ) أي العباد ( إليه ف ) إذا كانت حالهم كذلك ( وجب أن يكفيهم ) اللّه ( أمر ذلك ) الرزق ( و ) أن ( يوصلهم إليه ) أي الرزق ( والثالث أنه ) تعالي ( كلفهم ) أي العباد ( الخدمة ) أي الطاعة ( و ) الحال أن ( طلب الرزق شاغل عنها ) أي عن الخدمة ( فوجب أن يكفيهم ) اللّه عز وجل ( المؤنة ليتفرغوا للخدمة ، وهذا ) أي الكلام المذكور ( كلام من لم يحط ) أي لم يعلم ( بأسرار الربوبية ) وذلك لقصور نظرهم في المعارف الإلهية والعلوم المتعلقة بذاته وصفاته الثبوتية والسلبية ورسوخ قياس الغائب على الشاهد في طباعهم الدنيا القاصرة عن إدراك الحقائق الغيبية ( والقائل ) من المعتزلة ( بأن الرزق على اللّه واجب تائه ) أي ضال ( وقد أوضحنا في فن الكلام ) أي علم التوحيد ( فساده ) أي القول بأن الرزق على اللّه واجب . ولنذكر هنا طرفا يسيرا لبيان فساده بقولنا : وذلك لأن من وجب عليه شئ فهو مقهور ، وأن من أدى حقا واجبا عليه لا منة له على المؤدى إليه ، وهذا القول يبطل الحمد والشكر لأن من أدى شيئا واجبا عليه لا يستحق حمدا ولا شكرا عليه مع أنهما ثابتان له سبحانه . قال سيدي أحمد الدردير في خريدته :ومن يقل فعل الصلاح وجبا * على الإله قد أساء الأدباوبالجملة أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء ، فلو أدخل جميعهم الجنة من غير طاعة سابقة كان له ذلك ولو أورد الكل منهم النار من غير زلة منهم كان له ذلك لأنه تصرف مالك الأعيان في ملكه ليس عليه استحقاق إن أثاب فبفضله يثيب وإن عذب فلحق ملكه يعذب فلا يجب رعاية الأصلح ، بل لا يعقل في حقه الوجوب مطلقا لا نقلا ولا عقلا ولا عادة فإنه تعالي« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »بحكم ربوبيته وملكه لكل شئ الملك الحقيقي «وَهُمْ يُسْئَلُونَ» بحكم العبودية والمملوكية لاقتضائها أن العبد المملوك لا استقلال له بتصرف ، ولا يمكنه أن يلزم مولاه ويوجب عليه شيئا . قال العلامة سيدي أحمد الدردير : وأقوى ما تمسكوا به في ذلك القول المذكور أن ترك الأصلح يستلزم المحال من سفه أو جهل أو عبث أو بخل ، وظاهر أنه رفض لقاعدة الاختيار وتمسك بالفلسفة الظاهرة العوار . وحكي أن الامام أبا الحسن الأشعري رضى اللّه عنه سأل شيخه أبا على