سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 9
وأمّا الشّيطان فحسبك فيه ما قال اللّه تعالى لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلم : ( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ وروى عن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أنه قال : من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ، ولا عن النار مهربا يعنى لم يترك الجهد في طلب الجنة والهرب من النار : أولها عرف اللّه تعالى فأطاعه وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحق فأتبعه ، وعرف الباطل فاتقاه ، وعرف الدنيا فرفضها ، وعرف الآخرة فطلبها . [ الكلام في عداوة الشيطان ] ( وأما الشيطان ) فهو أعدى الأعداء . قال تعالى « إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا » فليتخذه الإنسان عدوا في جميع أحواله ، ويحذره جهده ، فقد قيل : إنه يفتح للانسان تسعة وتسعين بابا من الخير ليوقعه في باب من الشر ، وهو اسم لكل خبيث متمرد من الجن ، من شاط احترق أو شطن بعد لبعده عن الخير ؛ فالمراد به هنا الجنس إبليس وأعوانه ، وإذا زاد في الخبث والتمرد يسمى عفريتا ، وعن ابن عباس أن إبليس إذا مرت عليه الدهور وهرم عاد ابن ثلاثين سنة ، وذلك قوله تعالى « فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ » * وروى عن كعب الأحبار أنه قال : لما حضر آدم الموت قال يا رب يشمت بي عدوى ، فأجابه الحق يا آدم إنك سترد إلى الجنة ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعد الأولين والآخرين ؛ ثم قال لملك الموت صف كيف تذيقه الموت ، فلما وصفه قال حسبي ، وهو أنه تعالى يقول له عقب النفخة قد خلقت فيك قوة أهل السماوات السبع والأرضين السبع ، وإني ألبستك اليوم أثواب السخط والغضب كلها ، فانزل بغضبى وسطوتى على رجيمى فأذقه الموت ، واحمل عليه مرارة الأولين والآخرين من الثقلين أضعافا مضاعفة ، وليكن معك من الزبانية سبعون ألفا قد ملئوا غيظا وغضبا ، مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من أغلالها . وانزع روحه المنتن بسبعين ألف كلاب ، فينزل بصورة لو رآه أهل السماوات والأرضين بها لماتوا بغتة من هولها ، ويقول له قف يا خبيث لأذيقك الموت ، فيهرب إلى المشرق فإذا ملك الموت بين عينيه ، فيهرب إلي المغرب فإذا هو كذلك فيغوص البحار فلا تقبله ، فلا يزال يهرب ثم يقوم وسط الدنيا عند قبر آدم عليه السّلام ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط فيه آدم عليه السّلام ، وقد نصبت الزبانية له الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب وبقي في النزع إلى حيث شاء اللّه . وقيل لآدم وحواء عليهما السّلام اطلعا على عدوكما فينظر انه ويقولان ربنا أتممت علينا نعمتك ، واللّه أعلم ، وقد ذكرنا بعض مداخله في العائق الثالث من العوائق الأربعة . وأما عداوة الشيطان اللعين ودعوته إلى الشر والضلال والغفلة والانهماك في المعاصي والبطالة ( فحسبك ) أي كفاك ( فيه ) أي الشيطان أي في اجتناب عداوته وغيرها ( ما قال اللّه تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقل رب ) أي يا رب ( أعوذ بك ) أي أمتنع وأعتصم بك ( من همزات