تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
إمّا أن تفارقها ، وإمّا أن تفارقك ، كما قال الحسن : إن بقيت لك الدّنيا لم تبق لها ، فأىّ فائدة لك إذن في طلبها ، وإنفاق العمر العزيز عليها ، ولقد أحسن القائل :
هب الدّنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى زوال فما ترجو بعيش ليس يبقى * وشيكا قد تغيّره اللّيالى وما دنياك إلّا مثل ظلّ * أظلّك ثمّ آذن بارتحال
فلا ينبغي للعاقل إذا أن يخدع بها ، ولقد صدق القائل فيما قال :
شرح
وللحافظ ابن حجر في المعنى :بنى الدنيا أقلوا لهم فيها * فما فيها يؤول إلى الفوات بناء للخراب وجمع مال * ليفنى والتوالد للمماتوبالجملة أن الدنيا لا بقاء لها أصلا ولا لذة ( إما أن تفارقها وإما أن تفارقك ) الدنيا وذلك ( كما قال الحسن ) البصري رحمه اللّه ( إن بقيت لك الدنيا لم تبق ) أنت ( لها ) أي لأجل الدنيا بل تموت ( فأي فائدة لك إذن ) أي حين إذ فهمت قول الحسن رحمه اللّه ( في طلبها و ) في ( إنفاق العمر العزيز عليها ) أي على طلبها ( ولقد أحسن القائل ) من بحر الوافر ( هب ) فعل أمر من وهب ( الدنيا تساق ) حال ( إليك عفوا ) أي فضلا من نفقتك ، وفي سراج السالكين العفو من المال ما يفضل من النفقة ولا عسر على صاحبه في إعطائه ( أليس مصير ) أي مرجع ( ذاك ) أي الدنيا ( إلى زوال . فما ترجو بعيش ليس يبقى ، وشيكا ) أي قريبا وسريعا ( قد تغيره ) أي ما ترجوه ( الليالي ) والأيام ( وما ) أي ليس ( دنياك إلا مثل ظل : أظلك ثم آذن ) أي أعلم ذلك الظل ( بارتحال ) الارتحال السير والمضي والانتقال ، وقيل أيضا في المعنى :أرى طالب الدنيا وإن طال عمره * رنال من الدنيا سرورا وأنعما كبان بنى بنيانه فأقامه * فلما استوى ما قد بناه تهدما( فلا ينبغي للعاقل إذن ) أي إذا عرفت ما تقدم من أن الدنيا كالظل ( أن يخدع بها ) أي بمتاعها وزهرتها وزينتها ، بل ينبغي للعاقل أن يرضى بالقوت من الدنيا ولا يشتغل بالجمع ويشتغل بعمل الآخرة ، لأن الآخرة هي دار القرار ودار النعيم . قال بعض الحكماء : أربعة طلبناها فأخطأنا طرقها : طلبنا الغنى في المال فإذا هو في القناعة ؛ وطلبنا الراحة في الكثرة فإذا هي في القلة ، وطلبنا الكرامة في الخلق فإذا هي في التقوى ، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس فإذا هي في الستر والاسلام ، ويعني فيما يستر اللّه من العيوب والذنوب ( ولقد صدق القائل ) وهو الحسن البصري رحمه اللّه ( فيما قال ) من بحر الكامل في وصف الدنيا